سلطة المعاناة
في " بيت لا تفتح نوافذه"(*) للقاص هشام بن الشاوي
ذ.الطيب هلو
توطئة:
تمنح نصوص المجموعة القصصية " بيت لا تفتح نوافذه" للقاص هشام بن الشاوي متعة خاصة لقارئها؛ متعة فنية ممزوجة بدفقة قوية من المأساة والحزن والإحباط. وتساهم ، من خلال تبئير موضوعات معينة في كشف الواقع وتعريته، وإبراز جوانب التعفن التي تغلفه، في حدة مبررة، نفسيا على الأقل.
إن هذه المجموعة القصصية المتميزة تتكئ على الصدق والمعاناة، كما تنبني على المعايشة والرصد. وكلها مقومات تعطي النصوص قدرا من الهم، يكفي لكي تتسم بالحرقة والمصداقية، ويبعدها عن أي لعب شكلي باللغة. فالكاتب يكتب من واقع معيش، متأزم ومنغلق على احتقان رهيب. وهو يصوغ قبح الواقع في لغة منسابة، رقراقة وجميلة، تناسب البناء الفني لكل قصة من جهة، وتتناغم مع لغة باقي القصص، وفق رؤية فنية وموضوعية محددة. وهذا ما جعل النصوص تمزج بين "شرف المعنى وحسن العبارة" ـ كما يقول القدماء ـ وتمنح القارئ مساحة لتأمل ذاته وواقعه ، ومساحة للارتقاء بذوقه.
تجليات المعاناة:
تتمظهر المعاناة في" بيت لا تفتح نوافذه" في تجليات عدة أبرزها الانغلاق. فقد اختار الكاتب هذا التجلي ليبرزه، من خلال تحديد عنوان المجموعة وانتقائه من بين عناوين تتسم بجمالية الانزياح، وتصلح كلها عناوين للمجموعة نظرا لجماليتها مثل: أسعدت حزنا أيها القلب ـ خربشات على جدار الجرح ـ الشياطين تخدع أحيانا …
إذن فاختيار الكاتب لعنوان مجموعته حافز على اعتبار الانغلاق تمظهرا أساسا من تمظهرات المعاناة.
وقد زاد من دلالات العنوان على هذا التجلي استعمال النكرة ( بيت) مما يؤشر على العموم والشمول. فكل بيت معني بهذا الانغلاق وليس بيتا محددا ـ كما قد توهم جملة الوصف ـ إضافة إلى أن بناء الفعل للمجهول واستعمال النفي وضمير الغائب كلها مساعدات على تعميق هذا الانغلاق. لكن يعتمد الكاتب إشارة تمنح أملا بالانفتاح وتحرض، أو على الأقل تشجع، عليه وهو استعمال " النوافذ" بصيغة الجمع.
حياة الأبطال أيضا مغلقة. وقد ظهر ذلك في عبارات كثيرة. ففي قصة " خطأ تمارسنا الحياة " يخبرنا البطل أن هذه الفتاة " هي أول امرأة أدخلها إلى حياتي، وأول امرأة أدخلها جحري." ( ص 5) فحياة البطل مغلقة أمام النساء، وبيته كذلك. بل إمعانا في التذمر وتصوير المعاناة يسمي بيته جحرا.
ومن تجليات المعاناة أيضا الإحباط، إذ يسجل البطل في قصة "خطأ تمارسنا الحياة " مظاهر الإحباط. فهو كاتب لا يعترف أحد بموهبته الأدبية إلا الفتاة ذاتها، التي أدخلها حياته وجحره. يقول:" هي الوحيدة في هذا الحي المقبري التي تعترف بموهبتي، وتقرأ أشعاري."( ص5)
كما يشير إلى إحساسه بالاغتراب والفقدان والضياع :" أحس من أعماق أعماقي أني بلا وطن، وحتى وجودي لا مبرر له."(ص6)
يركز الكاتب أيضا على إبراز التلذذ بالوهم. فالكاتب، الذي لا يقرأ أشعاره إلا جارته المراهقة يصف لذَّاته الوهمية قائلا:
" لملمت أوراقي التي يحلو لي أن أتركها مبعثرة، لأن منظرها هكذا يمنحني إحساسا غامضا، لا يعرفه إلا من تلظى بنار الكلمة.." (ص6)
هناك تجليات أخرى كالحزن واليأس والفقر وغيرها مما لا يتسع حيز هذا المقال لرصده من جهة، ولكونها متضمنة في التمظهرات الأخرى إما بوصفها أسبابا أو نتائج لها.
قتامة العالم:
للعالم في قصص هشام بن الشاوي طعم مر ومذاق كريه. فلا تكاد تنهي قراءة قصة من قصص مجموعته " بيت لا تفتح نوافذه" إلا وتحس المرارة تترسب في الحلق، بل إن الكاتب في أحيان كثيرة لا يترك لك فرصة إنهاء القصة ، وإنما يعبر عن ذلك بوضوح وبصراحة، أو بأسئلة إنكارية أو تقريرية، مما يعمق الإحساس بفداحة العالم.
إن الأشياء تفقد قيمتها لصالح أشياء أقل قيمة أو تافهة. وتلعب السخرية في ذلك دورا أساسا.من ذلك هذا المشهد من " مشاهد من حياة عادية" (ص 89)
" حكى عبد الله عن ذلك ( البريكول) في أحد أسطح تعاونية المعلمين حيث تشمم (م) مثل سلوقي، وبعمق ومودة، ثوبا داخليا على حبل الغسيل بعد أن غادرت المعلمة، وبصوت خفيض قال:" تبانها أفضل من شايها !! " غالب عبد الله ضحكته، وهو يشرب الشاي، واكتفى برشفة واحدة."
العالم في قصص هشام ضيق جدا بدءا من عنوان المجموعة الدال على الانغلاق الموحي بالضيق، ثم من خلال تعبيره في قصة " الضحايا" مخاطبا القارئ، كسرا للتماهي:
" عزيزي القارئ:
أعرف أنك ستتضايق لو ضيعت وقتك في كتابة إنشائية. ربما نشترك في ضيق الوقت وذات اليد، وضيق كل الأمكنة ـ مهما رحبت ـ حتى الاختناق." (ص75)
وإمعانا في الصدق والمواجهة وإبراز التذمر، يكشف الكاتب عن هويته ـ كما فعل في قصص كثيرة ـ مخاطبا نفسه ومبرزا ذاته، مما يؤسس لقصة أوطوبيوغرافية. يقول:
" عليك اللعنة يا ابن الشاوي ! عدتَ إلى الهذيان مرة أخرى. لا تخرج عن الموضوع مرة أخرى. وإلا سنعفيك من السرد مادمت تحاول استمالة القارئات. !!" (ص 75)
إن أي خروج أو كسر لسمتريتية السرد تنبيه مجدد لما قيل، يدفع نحو قراءة" الخروج عن الموضوع" مرة أخرى وعلاقته بتهمة" استمالة القارئات" التي وجهت للكاتب ليصل إلى عبارة " نساء كثيرات يعشقن الرجل الحزين." وبهذه الصورة الرومانسية النمطية يغدق الكاتب على نصه قدرا طافحا من السخرية تحتمه نظرته الواقعية للأشياء و العالم الضيق الغارق في تفاهته وهو ما يقرره في قصة أخرى. يقول:
" قضى ليال سرمدية يذرف عبراته، وهو يرعى النجوم. يتنهد في حرقة، يتذكر كلمات أخيه: الحب افيون الشباب. هذا ليس زمن الحب وإنما زمن اللاحب والإباحية.
حاولوا أن تكتبوا معنا ما تبقى من هذه القصة، لنكشف القناع عن القناع، ولا تقولوا:هذان المخموران يخطان خربشات دون أن يعرفا بداية النهاية ونهاية البداية. فأحداث هذه القصة حدثت وما زالت تحدث، وبطلها سليل هذا الواقع المخنث الذي يعيش فيه الحب ـ إن وجد ـ متخفيا كاللصوص والثوار.. !!"
(ص 67 ـ68)
إذن يكشف القاص عن أحد مظاهر فساد العالم، وهو التحول في مفهوم الحب من عاطفة بريئة مقدسة " أوله بسمة وآخره دمعة" (ص 68) إلى علاقة جسدية مدنسة. وأي عذرية إلا ويكتب عليها الانكماش والتخفي والمطاردة. زمن طالت فيه الفوضى والعبث كل شيء، فظهرت الغرائب والتناقضات التي تفضحها الأسئلة مثل:
( أيمكن أن تكون سكيرا صالحا؟ ـ من يتصور أن ذلك الشاب الذي كان على دين وخلق تطأ قدمه عتبة خمارة؟ ـ من يتلاعب بأحلامنا وأحاسيسنا؟ ـ لم لا يتوقف الألم دقيقة من اجلنا؟ ـ كيف تترجم عواطف ملائكية إلى علاقة حيوانية ؟ ـ هل الحب والشبق وجهان لعملة واحدة؟…)
إن الكاتب هشام بن الشاوي يحاول ترسيخ صورة هذا المسخ الذي طال الحب في هذا الزمن، وهذا ما حدا به إلى تكرير المعاني ذاتها في أكثر من نص.
يقول في قصة "je suis malade"
" الحب .. لم تبق منه إلا الكلمة .. هذا ليس زمن العذريين، الذين يحبون ولا يتزوجون. لقد تبخرت تلك المشاعر السماوية مع من يجعلون من الطبيعة معبدا ومن الحب دينا." (ص 63)
أسئلة متوالية تشبه الوخز وتعري فد


























