شكرا لك أيها الألم
إلى : سعاد.. التي تركت في قلبي جرحا ربيعيا لا يندمل،، لأن فراقك كان في مثل هذا التوقيت، كل ربيع تندلع أشواق القلب، بعد أن تركته نهبًا للضياع والتشرد، وكنت أظنك مرفأه الأخير، وسيتوب بعدك عن الهوى.
وإلى : تلك التي تحملت "خياناتي" كل هذه السنوات بحبها الأمومي الغامر…
إلى العزيزين : إبراهيم الحجري، إبراهيم الحميد.
رنّ هاتفه المحمول.
إنه رئيس تحرير الجريدة. هذه أول مرة يفعلها، بيد أن المكالمة أنقذته من ورطته…
تمّ كل شيء بسرعة، وهو عائد من مدينة أزمور، التي اعتاد التسكع فيها بحريّة، لأن لا أحد يعرفه فيها، واصطدمت عيناه بتلك البدوية. شمّ الذئب القابع في دواخله رائحة الفريسة. راح يلتهم بنظراته شموخ صدرها النافر المتصلب، وأصابعه تحترق شوقا إلى عصر فاكهته.. كانت امرأة تفتقر إلى لمسة جمال وأناقة، تفتقد ما يسرق القلب ويخطف البصر.
عند مغادرتهما حافلة أزمور، سألها : "كم الساعة؟"، وهو يدسّ هاتفه المحمول في جيبه، تبادلا بضع كلمات، وفي انتظار الحافلة رقم 3، ضمّ ساعديه عند صدره، حاجبًا نهدها الأيمن، وتسللت أصابع يمناه، ممارسة طقس قرص نهدها خلسة.. وبعد دقائق غادرا الحافلة، وطلب منها أن تسبقه، وتدخل بيتا مهجورا…
***
في مقصورة قطار الجديدة، غاص قلبك في بحيرة شجن، وقد خدّر حواسك عطر المرأة المجاورة لك، والشمس تحنّ إلى معانقة سمرة المغيب الشاحبة. شرد لبك برهة، وأنت على شفير النشيج..
قبل ست سنوات، مدججا بالأشواق كنت تنتظر اللحظة، التي ترسم فيها الشمس تلويحة وداع على الجدران. تنتظر الساعة الخامسة والنصف، حيث تغادر الورش، وكأن الريح تحتك، في اتجاه الملتقى، مختلسا لحظات بهجة في حضرتها.
في الطريق، فكرت في قرار ربّ الورش بأن تعودوا إلى التوقيت العادي؛ لن تغادروا حتى الساعة السادسة مساءً، تلعن فصل الربيع، وتتمنى لو أن كل فصول السنة خريف وشتاء، حيث تداهم العتمة الورش مبكرا. لن تغادر إلا بعد وصولها إلى البيت، ولن يمكنها أن تخرج بعد ذلك.
في طريق عودتكما إلى بيتها، انتابك فرح غامر، وهي تلمّح- وبنبرة ملتاعة- إلى أنكم أوشكتم على الانتهاء من البناء. أدركت أنها تحبك وستفتقدك.. حتى لو لم تنطق بهاتين الكلمتين العذبتين.
أهو الخوف من ألا تراك ثانية؟
في الصباح، بدوت حزينًا، عند نقلك إلى ورش آخر، بدون سابق إعلام، ومن مقر عملك الجديد، أرسلت إليها رسالة قصيرة ((sms تبلغها بذلك. مساء، عند وصولها إلى البيت، اختلست سعاد نظرة إلى الورش، ولاح لها صديقك، الذي تمازحه بــ"خُو البْهَايْمْ" واقفا في الشرفة، ولأنه كان في مثل سنك، فوجئت بها تتهمك بأنك تتهرب منها.. رأيتُكَ، وكنتَ ترتدي "جاكيت الجينز". وفي دقائق، وجدت نفسك عند الورش، تصبّ جام غضبك على صديقك.
لا تنكر أنه من أهداك هذا الحب، حين أخبرك - لأنه كان يبيت في الورش- أنها تمرّ في هذا التوقيت. لكن، ليس معنى هذا أن يستمر في مراقبتها، وهو من رآها عند دكان بقال الحي، ولم تكن ترتدي الجلباب.. ثارت ثائرتك : لماذا تخرجين ليلا، وأنت تعرفين أن المكان مليء بالبنائين، وأغلبهم بدو وأوباش؟ فليذهب غيرك للدكان. أنا جئت للاتصال بك. لا تتصلي بي، ولا تخرجي ليلا.. ثم ماذا كنت ترتدين؟ هل تظنين نفسك في البادية، حتى تخرجين بثياب البيت؟
قبل أيام، أخبرتك أن هناك من اتصل بصديقتها هاتفيا، وخمنتْ أن يكون ذلك الشاب، الذي كان يتلصص عليها، وهي تركب رقم صديقتها في مخدع الهاتف العمومي، المجاور للدكان، فحفظ الرقم.. زفرت : هؤلاء الغوغاء، أولاد القحاب.
أرسلت إليها رسالة قصيرة ورنة، تعلمها أنك قريب من البيت، وأنت تعرف أنك لن تراها، ولن تطل من الشباك في وجود أخيها، كئيب السحنة.. أف، لماذا خلق الله للحبيبات إخوة نتعذب بسببهم؟ نادية هجرتها، وهي مغرمة بك، باحثا عن حب آخر، بسبب إخوتها البغال.
***
شكرا لك يا ذات العطر. ذكّرتني بالمرأة، التي أدين لها بتحول مساري الأدبي، فخرجت من قفص الرومانسية البلهاء، وارتميت في حضن الواقعية النقدية، المغلفة بالسخرية السوداء. لو أنني تزوجتها، وعشت سعيدا، هل كنت سأحقق هذه القفزة في تجربتي القصصية المتواضعة؟
شكرا لك أيها الألم…
لولا جرح سعاد لما كتبت فاتحة كتاباتي الجريئة، قصة : "بيت لا تفتح نوافذه…"، أو رواية : "كائنات من غبار" التي غاب فيها اسمها، لأن جرمي لا يغتفر حين كتبت في رسالة قصيرة لها أنني كنت مع عاهرة حائض، وتخيلتها محلها، وحتى أمعن في حيوانيتي ودناءتي، حدث ذلك أمام عيني صغيرها.. كنت أبحث عن أية وسيلة حتى تحتقرني وتكرهني، ولا نتعذب ببقايا الحب.
سعاد تحضر في العديد من النصوص، هي الحاضرة الغائبة في "بانت سعاد فقلبي اليوم متبول"، "وشاية بأصدقائي"، وفي قصة : "روتانا سينما و… هلوسات أخرى" (وهي القصة ذاتها، التي ستصدر في مجموعتي القصصية الجديدة تحت اسم "نشيج الروح"). لكنني لا أكتب عن الجنس لمجرد الإثارة، وما أسهل مثل هذه الكتابة، وفي حياة كل واحد منا تجارب مثيرة… ! لو كنت أتطلع إلى الكتابة الرخيصة، فسأكتب عن تلك المرأة، التي طلبت مني أن أعتلي ابنتها، وأنا طفل غرّ، ينام بينها وبين بناتها الثلاث… بيد أن هذا النص حافل بالقذارات الجنسية حد الغثيان، وهو ما قد يعطي انطباعا سيئا عني، ويفسر الأمر على أنه كبت جنسي.
حين كتبت إلى صديقي الشاعر الكهل أنني بصدد كتابة روايتي الثانية، طلب مني حشوها بالكثير من الجنس. فهل نقرأ الروايات من أجل الجنس؟.. شاعر كهل آخر اعترف لي بأنه غب قراءة قصة لإحداهن، وبسبب الوصف الحار للتفاصيل سارع إلى امتطاء صهوة زوجته.. فهل نكتب لنستمني؟
… يا للغثيان !!
***
أنقذته مكالمة رئيس التحرير من ورطته، وكان يمشي بجوار عانسه البدوية، وهو يلتفت يمينا ويسارا، مفكرا في أنجع طريقة للتخلص من هذه البشعة، التي تبدو، وكأنها جدته.. تصر على أخذ رقم هاتفه المحمول، وهي تعبّر له عن افتتانها بها من أول نظرة… لم يحدث أن تغزلت به امرأة من قبل هكذا، لكنه لن يقع في حبائل هذه البدوية. ناور، طلب منها رقم هاتفها، حتى يتصل بها حين تزور مدينته في المرة القادمة. اعتذرت بأنها لا تملك هاتفا محمولا..
لم نبال بنبرة الحنين الفائض في صوت شابّ لا يزور قريته إلا في الأعياد، حين اتصل "أخو البهائم" بأخيه الأصغر، اندلعت عاصفة من الضحك، بعد أن سأل أخاه عن كل شيء، وقبل أن ينهي المكالمة، وكمَنْ تذكر شيئا.. بلهفة هتف : " واشْ الحْمارة وِلْدت؟"، ثم استطرد بفرح متسائلا عن جنس مولود الأتان : " آشْ ولدت؟".
***
رنّ هاتف ذات العطر، وبدأت توشوش مغلفة بيدها الجهاز.
قبل قليل، كانت تتحدث مع المرأة المقابلة لنا في مقصورة هذا القطار- الخردة.
ذات رحلة بيضاوية، تعرفتُ على تلك الثلاثينية، التي لم تشأ أن تصارحني عن وجهتها في مدينتي، أو عن صلتها بمن جاءت لزيارتهم. أيمكن أن يكون حبيبا تبيت في حضنه ليلة، وتعود إلى مدينتها؟ لم تكن جميلة بما يكفي، بيد أن جسمها أصابني بالدوار.
في ظهيرة اليوم التالي، أرسلت لي رسالة قصيرة تبلغني فيها أنها في محطة القطار، وطلبت مني إحضار سمك، وألا أتأخر.. أيعقل أن يتركها من كانت في ضيافتهم، تسافر بلا غداء، ودون أن يودعها أحد؟
صمّمت على أن أصطحبها حتى الدار البيضاء، ألفيت نفسي غارقا في التقاط صور لها بهاتفي الجوال، وهي ترشقني بابتساماتها. تحدثتْ عن صعوبة لقائنا، واقترحتْ أن نلتقي في الدار البيضاء، كل أحد. فكرت في مشقة وخسائر حب كهذا، وكل واحد منا قادم من مدينة، ونلتقي كغرباء في مدينة أخرى. أخبرتني أن هناك شابا خليجيا يزعجها بمكالماته الهاتفية.. (في ما بعد ستكون أنت المطارد باتصالات تلك الجدواية، غير العابئة بتكاليف مكالمات دولية تتعدى الخمس دقائق، يا لهذا القلب العابر للقارات !!). نصحتها بأن تفتح الخط، تبعد الجهاز عنها، وتتركه يتكلم كما يشاء.
لا أدري لماذا أحب أن أكون الوحيد في حياة كل امرأة؟
لسعتني الغيرة، وهي تحدثني عن أصدقائها الكثر، وإحساسها بالوحدة، وهي على مشارف الأربعين… أحتاج إلى رجل. أف، إنها أسطوانة العوانس.
مابك؟ سألتني، وهي تزيح يدي، وأنا أطوق خصرها، فتشير إلى أنهم ينظرون إلينا. لا أحد يعبأ بنا، كل الموجودين بالمقصورة شباب مع صديقاتهم، ولن يهتموا…
تبا، هذه لا تصلح لأي شيء. ليس من المعقول أن أسافر كل مرة، ومن أجل لا شيء… وألفيت نفسي أدرب قلبي - مرة أخرى- على النسيان، المخضب بالألم. لا، لن أحب مرة أخرى من أجل الحب.
***
أنا لا أحب السفر في التاكسي، قالت ذات العطر.
فكرت في سائقي سيارات المرسيدس المجانين، الذين يخاطرون بأرواح المواطنين، والمرأة تسرد للسيدة، التي شاطرتها عدم حب السفر عبر سيارات الأجرة، وتتحدث بكثير من الغرور عن جعلها سائق حافلة يخرج قبل موعده، وتأنيبها للرجال على صمتهم وتغاضيهم عن جشع السائق. قلت في سرك : أنت، فعلا، خلقت لكي تكوني رجلا. فلا أثر للأنوثة فيك، تماما مثل تلك العانس البنّورية. على الأقل، ما شدني في بدويتي نهداها المتصلبان. استرقت النظر إلى جارتك ولاح لك سروال الجينز، الذي يخنق تفاصيل جسدها الثر، وهي تتحدث عن نجاتها من الموت، بعدما انفتح الباب بغتة، والسيارة تمرق، وكاد جبينها يلمس الإسفلت، فسارع الراكب المجاور لها بشدها من ذراعها… أخبرتُ زوجي وأسرتي، وكانوا في انتظار السائق، لكنه سلّمنا في محطة أزمور لسائق آخر. رن هاتفها مرة أخرى، وكل مرة، كنت تتابع وشوشتها باهتمام… أيعقل أن هناك زوج يتصل بزوجته كل خمس دقائق، وتتحدث معه بصوت خافت؟ إن من يتصل حبيب يريد إطفاء نار أشواقه على السرير.
سيدتي المحترمة، لقد اعتدنا أن نفعل مثله مع (…)، نتصل كل دقيقة للسؤال عن سبب التأخير.
***
انتزع الشريحة المستعارة من جوف الجهاز، ضغط عليها بإصبعين فانشطرت جزأين، رماهما في بالوعة. وهمس لنفسه : الآن، يمكنك أن تتصلي بي، وعند سؤال شركة الاتصال، لن يُعرف صاحب الرقم، لأنه بلا عَقْد. أنا لست غبيا مثلك، يا عاهرة الفيسبوك.. تجودين بأرقام هواتفك على كل من هبّ ودبّ. هل تعتقدين أنني سأعطيك رقمي الحقيقي، مثلما أرسلته في رسائل خاصة لكل من عرفته؟
سألته إن كان الرقم، الذي يتصل منه رقم هاتف البيت، رد بحزم : لا. إنه هاتف عموميّ.
***
لا يرغب في إعطاء رقم هاتفه الجوال لأية امرأة، حتى لا يتألم مرة أخرى، وهو لا يرد على اتصالات حبيبته السعودية. ما جدوى حب امرأة لن تستطيع مقابلتها، حتى لو كانت نبرات صوتها تفضح لوعة قلبها؟
أغلق هاتفه المحمول، لا يشغله إلا صباحا، ويقرأ عدد الرسائل، التي تحدد عدد الاتصالات وتوقيتها. تتصل به حتى في الوقت، الذي تعرف أنه يكون نائما. أي حظ عاثر هذا يورطه دوما مع نساء ليليّات؟ اعتصر قلبه ألما، فكّر في كتابة رسالة قصيرة من كلمة واحدة : "انسيني"، ثم بدا له أن ردّ فعله هذا قد يجعله يضعف، ويستسلم مرة أخرى، وهو لم يعد قادرا على تحمل آلام الحب والغيرة.
ما شده إلى فتاته الجداويّة أنها لم تكن كغيرها من النساء المطلقات، اللواتي لا يفكرن إلا في الجنس، حتى لو كان افتراضيّا، وأدهشته مفارقة أن يعتبر الش
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ