Yahoo!

سعيد بو عيطة يقرأ “كائنات من غبار”

كتبها هشام بن الشاوي ، في 31 أكتوبر 2011 الساعة: 21:18 م

 

البحث عن اللذة الهاربة في رواية

" كائنات من غبار " لهشام بن الشاوي


 

 سعيد بوعيطة*

 

تستجيب رواية " كائنات من غبار" للكاتب هشام بن الشاوي، لطروحة الحداثة الجديدة في فن الرواية، من خلال البحث عما هو إنساني مشبع بالمحلية، وما هو فني يحوّل اليومي والمألوف إلى نص منفتح على كل الدلالات. فالقارئ يشعر منذ الصفحات الأولى للرواية بأن هشام بن الشاوي، يعتمد في بنائه السردي على البنى اللاواعية في التركيبة الاجتماعية  والنفسية لشريحة معينة، لكنها مختلفة في الوقت نفسه،  يربط بينها ما هو مميز قبل دخولها عالم السرد الروائي، لتتحول هذه البنى اللاواعية كذلك إلى بنى أسلوبية.

 

       تشكل مدينتي الجديدة  وأزمور ( المغربيتين) وما جاورهما من البوادي والمداشر مكانا معاشا وزمنا عموديا، ووعاءً للأفعال اليومية المختلطة. يمكن القول بأننا أمام رواية  جديدة، تجمع بين الملحمية دون أن تعتمدها كليا، وفن الواقعية السحرية القائم على الموروث الشفاهي والمعاش، دون أن تقع تحت تأثيره كليا، وبهذا فإن هذه الرواية، تؤسس لنمط جديد لرؤية المجتمع باعتمادها على الرؤيا السردية المشتركة عن طريق التناوب وتبادل الأدوار على مستوى القائم بالتلفظ السردي بين جل الشخصيات المتباينة في : الأفكار، التجارب الحياتية، لكن يغوص السارد في دواخل الشخصيات وخباياها الباطنية  والخفية دون أن تلغى خصوصية وفرادة كل حالة من خلال الحالة الاجتماعية، التي ميزت أو أثرت على  حيوات تلك الشخصيات.

 

أقام الكاتب هشام بن الشاوي عالمه من خلال رواية " كائنات من غبار" ، بفتح نوافـــــــــــذه

وأبوابه للاتساع و التقلص معا. فمنذ الصفحات الأولى للرواية، يبرز الثانوي، ليشكل الحدث الرئيسي والمادة الأكثر حضورا في بنية السرد، وصولا إلى المشترك بين هذه الشخصيات والأحداث المتباينة. إن هذا الأسلوب في الكتابة السردية، يستوجب امتلاك الأداة الفنية  قصــــــد الكشف عما هو مشترك وعام.

 

   ♦ جمع بصيغة المفرد:

 

   هكذا ينطلق السارد من حكاية الفرد (الشخصية الواحدة)، لكن هذه الأخيرة (الشخصية) تبـدو هلامية في ملامحها، على الرغم من كون السارد يستعمل في تقديمها ضمير المخاطب. يــــــقول السارد  في الصفحة3  " كما يجدر برجل وحيد وبائس تغفو إرهاقا، والحافلة تمخر عبــــــــاب الإسفلت، في ظلمة المغيب الشاحبة…". ترتبط هذه الملامح الهلامية لهذه الشخصية (تشير) إلى شخصيات عدة، فهي جمع بصيغة المفرد.. علاقاتها بالمجتمع وبغيرها من الشخصــــــــيات الأخرى باهتة. شخصية تسيطر عليها الهواجس المختلفة والمتعددة في الوقت نفسه. هكذا يتحول هذا الثانوي/ المفرد إلى رئيسي (جمع). لكن هذا الجزئي، يغذي السرد الروائي بشكل مميز، لأن بنية الرواية الحديثة تتغذى مما هو ثانوي وجزئي، كي يعمق مساره،  بخلاف الحكاية الشعبية، حيث يصبح الجزئي (حكاية معينة) امتدادا لحكاية أخرى،  فالشخصية الهلامية (غير بارزة الملامح)، التي افتتح بها الروائي عالمه السردي، تتشظى، لتصبح تلك المرأة، التي تعكس حالــــــة شخصيات أخرى تجمعها نفس الهواجس، الأحلام والآمال. حكاية هذه الشخصية هي حكاية الشخصيات الأخرى، التي تتوزع على طول المسار السردي للرواية: شخصية عبد الرحـــــيم، شخصية بعية، شخصية كبالا، شخصية قبقب، شخصية التباري، شخصية المعاشي، إلخ…. شخصيات يجمعها ما هو مشترك (البعد الاجتماعي، البعد النفسي، الأحلام…)، على الرغم من تباين الأفكار والتجارب الشخصية، لأن هذا المشترك لا يلغي الخصوصية والفرادة من خلال الحالة الاجتماعية، التي اصطبغت بها حيوات تلك الشخصيات، لأن حكاية الشخصية الهلامية (كما أشرنا في البداية)، التي افتتح بها السارد رواية " كائنات من غبار"، هي حكاية شخصية عبد الرحيم وحكاية شخصية كبالا، وحكاية شخصية قبقب، وحكاية شخصية المعاشي، إلخ…. وإن أردنا التعميم أكثر قلنا بأنها حكاية العامل في ورش البناء، من بداية عمله في الورش. يقول السارد في الصفحة 29: "قبل أن يشرع في عمله بادرته مستفسرة: أظن مزاجك غير متعكر اليوم. ليلة البارحة، خفت أن تكون قد وقعت). كما يصاحبه السارد طوال النهار أثناء عمله في الورش. يقول السارد في الصفحة 35: "بحث عن بقايا أكياس الإسمنت، وطلب قداحة من أحدهم… في الطابق العلوي سمع أصوات ارتطام المطارق..)، إذ يمكن القول بأن المبدع هشام بن الشاوي، يقدم لنا أدبا بروليتاريا (إن صح هذا التعبير

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محمد محقق يقرأ “بيت لا تفتح نوافذه…”

كتبها هشام بن الشاوي ، في 31 أكتوبر 2011 الساعة: 20:47 م


قراءة نقدية في المجموعة القصصية ” بيت لاتفتح نوافذه” للكاتب المغربي هشام بن الشاوي

 

                                محمد محقق (المغرب)

 

هذه المجموعة القصصية عبارة عن مشاهد ولقطات من حياة إنسان يعاني حالة التفرد والوحدة، ويبدأ الحكي بـ (أشعلت المصباح ….) في قصة : "خطأ تمارسنا هذه الحياة"، مما يدل على أن البطل كان يمشي في العتمة؛ ليس في الأمر سر لأن صُحبته امرأة، وفي مثل هذه المواقف غالبا ما يلاحق الإنسان بالعيون وبنظرات منها الازدراء، منها الاستغراب ومنها الغبطة.. كل حسب مستواه وخلفياته الثقافية والإيديولوجية.

 

 كان أول ما أثار عيني الزائرة بيت كُتب على الجدران. السارد أعطى للمرأة تسمية يمنحها إياها المجتمع إلا أن هذه العاهرة تختلف عن الأخريات، على الأقل أثار انتباهها ما كتب، وبهذا يستحضر بعدها الإنساني للأشياء، حيث تتساءل عن سر البيت الشعري الذي رسم على الجدران، وهو في ذات الوقت مرسوم في قلب ووجدان هذا الشاعر الشاب، الذي يتحدث عن أقرانه وعن طيشهم وعن طريقة تعاملهم مع الأشياء، في حين يعيش قهرا.. فلا نديم  ولا سكن ولا وطن؛ إنها الغربة الكسيحة التي تستولي على الكيان فتدمره، وفي غضون الحاجة والفقر يرى أن شاعريته لا جدوى منها ولا خير يرجى من ورائها. كانت النتيجة التي خرج بها السارد استحضار جمهورية أفلاطون وعالمه الطوباوي الذي  أخرج منه الشعراء، أخرج أفلاطون الشعراء لأنهم لا يستقرون على حال، ولأن معظم أشعارهم تتغنى بذواتهم الخاصة. في غضون الحاجة يصبح الحلم مستحيلا، ويشيخ الإنسان قبل الأوان تماما كما حدث لهذا الشاب الذي لا يستمتع بأجمل مرحلة من عمره… يتوحد السارد والكاتب في ضمير الحكي (أنا)، ونكون بصدد رؤية من الخلف، فالسارد ملم بكل الأحداث بل يخوض فيها بشكل تلقائي وهو العارف المتمكن.

تدور الأحداث حول شاعر يعيش فقرا وعزلة بحي فقير ومن مؤشرات ذلك (أول امرأة تدخل جحري )، أيضا (فهي الوحيدة في هذا الحي المقبرة )، مؤشرات تبين أن هذا الشاعر يعيش فقرا ماديا يعززه فقر معنوي تجسد في وحدة وحرمان، مع سبق إصرار وترصد استطاعت امرأة أن تفوز بهذا الشاعر وهي التي  كانت تتصيده بنظرات من فوق السطح، وهي الوحيدة التي كانت تولي أهمية لما يكتب من أشعار،(وأنا أكتب حماقاتي وهي تنشر الغسيل).. مشهد رومانسي وإن كان غارقا في الفقر والحاجة.

 

لهذا النص دلالات اجتماعية بالدرجة الأولى حيث يعكس ظروف بعض الفنانين المهمشين، الذين يعانون من عدم التواصل مع الآخر، نظرة مجتمعية تركز على الماديات ولا تهتم بعالم الكتابة الذي يعتبر حمقا في رأي البعض ومضيعة للوقت، النص يعكس أيضا الفراغ الوجداني الذي يعانيه الإنسان الفقير، الفراغ المترتب عن ضيق ذات اليد، مما يجعل صاحبه ينزوي ويعانق الوحدة والسويعات المسروقة تحت جنح الظلام من هنا نصل إلى زمن الحكي..  حيث دارت معظم الأحداث ليلا، وقد واكب هذا الزمن الحالة النفسية للبطل المتخوف والذي يقدم على عمل غير شرعي مسروق في سويعات مظلمة تخفي البؤس والضجر وقد تخفي الوحدة ولو لفترة قصيرة من الزمن.

 

يعود الكاتب مرة أخرى للحديث عن هموم الشاعر وعلى لسان السارد طبعا. كان هذا الشاعر يتوهم أن الشاعرية ستخول له النجومية وسيكون لافتا للأنظار، وستلتف حوله العذارى والنساء وأنه سيختار أجملهن لأنه يمتلك سلطة معرفية فنية، لكن شيئا من هذا لم يحدث، فالعالم يؤمن بالماديات ويبخس المعرفة ومالكيها. يطرح الكاتب الرومانسية باعتبارها شعورا نبيلا تجاه الإنسان وباعتبارها تستند مرجعيا إلى فلسفة مثالية ووجودية بالدرجة الأولى، فالرومانسية أصبحت لغة متقادمة وعوضتها لغة المادة الكاسحة، فكل الأشياء دخلت "الكونجلتور" حتى العواطف، والدفء الوحيد هو المال ومشتقاته.. لم يعد الحضن دافئا، لم تعد الكلمات الصادقة تضمد الجراحات. في غضون العالم الرقمي أصبح  كل شيء بالأرقام، فكلمة "ستطاردني" التي وظفها الكاتب تبين أنه كان مغرورا نوعا ما. كان يعتقد أن للشاعر مكانة في المجتمع، وأن النساء  سيتهافتن عليه لأنه ينشد الكلام الموزون المقفى، لكن تبين له العكس، وهذه النقطة أثارها  العديد من الباحثين ليخلصوا في النهاية إلى أن الشعراء بصفة عامة يدرجون ضمن الشريحة  الاجتماعية المنهكة ماديا، وهكذا يمكن أن نجيب عن طموح هذا الإنسان.. حين أكون شاعرا  سأعرف حقيقة المجتمع وطمعه وجشعه ومثالية أفكاري وأحلامي، ثم يعرج بك السارد إلى موضوع آخر من خلال قصته التي تعتبر الدعارة أقدم مهنة عرفتها البشرية، تتواجد في كل المجتمعات مهما علا شأنها ومهما ارتقت، والدعارة تتبلور بتبلور المجتمعات وتتطور بتطور المجتمعات أيضا، والنص الذي بين أيدينا يصور مشهدا دراميا يحدث كل يوم مع شرائح المجتمع  المهمشة التي تدفع  الكرامة ثمنا للخبز واللقمة، جاء على لسان السارد : (لم أكن أكره جارتي لذاتها …) بمعنى أن البطل لم يكن

يكره الجارة كإنسانة وإنما يمقت سلوكاتها وترددها على أفرشة مختلفة. وستتاح الفرصة لهذا البطل وسيعرف الدافع لتعاطي  الدعارة، إنها الحاجة ورعاية الأيتام : (الخبز مر ورعاية الأيتام أمر)، وتتحرك الإنسانية بداخل الجار/ الطالب الشاب ويدفع ثمن كتبه لهذه المرأة التي يكره سلوكاتها. النص يعالج ظاهرة اجتماعية خطيرة استفحلت في دول العالم الثالث، بل أصبحت حرفة لدى شريحة كبيرة في المجتمع، ونرى الكاتب يتعاطف ضمنيا مع أبطاله. لقد انشطر قلب الجار إلى قطعتين.. قلب كليم يبكي جراحاته الشخصية وحاجته الماسة إلى أنيس وقلب يبكي وضعية هذه المرأة التي تهان ومن غير ثمن، ومن أبعاد هذا النص الالتفات إلى الأوضاع المأساوية التي تعرفها شريحة مهمشة تهدد المجتمع بالأمراض والأوبئة.. أمراض نفسية وعضوية تخلق تصدعات للمجتمع.

 

 

دراسة القوى الفاعلة :


يقصد بالقوى الفاعلة كل ما يساهم في تنامي الأحداث وبلورتها، وقد تكون القوة الفاعلة جمادا أو حيوانا أو مؤسسات أو قيما وأنساقا فكرية. فما هي أهم القوى الفاعلة في هذا النص السردي ؟


1-الشخوص :انطلاقا من أن النص يدخل ضمن السيرذاتي، حيث أنا السارد والكاتب واحدة، انطلاقا من ذلك سنبدأ بالكاتب والذي يتوارى خلف ضمير الأنا: (يرتعش جسدي.. يتناهى إلى مسامعي…). لعبت هذه الشخصية المبأرة دورا مهما في تنامي الأحداث، وقد ظهرت في الصورة بكل عقدها ومركبات

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رابط تحميل “بيت لا تفتح نوافذه…”

كتبها هشام بن الشاوي ، في 1 سبتمبر 2011 الساعة: 18:04 م

 

مرحبًا أيها الأحبّة:

إليكم رابط تحميل أضمومتي السردية "بيت لا تفتح نوافذه…"

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شكرا لك أيها الألم

كتبها هشام بن الشاوي ، في 8 يوليو 2011 الساعة: 11:29 ص

 

شكرا لك أيها الألم

 

إلى : سعاد.. التي تركت في قلبي جرحا ربيعيا لا يندمل،، لأن فراقك كان في  مثل هذا التوقيت، كل ربيع تندلع أشواق القلب، بعد أن تركته نهبًا للضياع والتشرد، وكنت أظنك مرفأه الأخير، وسيتوب بعدك عن الهوى.

 وإلى : تلك التي تحملت "خياناتي" كل هذه السنوات بحبها الأمومي الغامر…

إلى العزيزين : إبراهيم الحجري، إبراهيم الحميد.

 

 

 

رنّ هاتفه المحمول.

إنه رئيس تحرير الجريدة. هذه أول مرة يفعلها، بيد أن المكالمة أنقذته من ورطته…

تمّ كل شيء بسرعة، وهو عائد من مدينة أزمور، التي  اعتاد التسكع فيها بحريّة، لأن لا أحد يعرفه فيها، واصطدمت عيناه بتلك البدوية. شمّ الذئب القابع في دواخله رائحة الفريسة. راح يلتهم بنظراته شموخ صدرها النافر المتصلب، وأصابعه تحترق شوقا إلى عصر فاكهته.. كانت امرأة تفتقر إلى لمسة  جمال وأناقة، تفتقد  ما يسرق القلب ويخطف البصر.

 عند مغادرتهما حافلة أزمور، سألها : "كم الساعة؟"، وهو يدسّ هاتفه المحمول في جيبه، تبادلا بضع كلمات،  وفي انتظار الحافلة رقم 3، ضمّ ساعديه عند صدره، حاجبًا نهدها الأيمن، وتسللت أصابع يمناه، ممارسة طقس قرص نهدها خلسة.. وبعد دقائق غادرا الحافلة، وطلب منها أن تسبقه، وتدخل بيتا مهجورا…  

***

في مقصورة قطار الجديدة، غاص قلبك في بحيرة شجن، وقد خدّر حواسك عطر المرأة المجاورة لك، والشمس تحنّ إلى معانقة سمرة المغيب الشاحبة. شرد لبك برهة، وأنت على شفير النشيج..

قبل ست سنوات، مدججا بالأشواق  كنت تنتظر  اللحظة، التي ترسم فيها الشمس تلويحة وداع على الجدران. تنتظر الساعة الخامسة والنصف، حيث تغادر  الورش، وكأن الريح تحتك، في اتجاه الملتقى، مختلسا لحظات بهجة في حضرتها.

في الطريق، فكرت في قرار ربّ الورش بأن تعودوا إلى التوقيت  العادي؛ لن تغادروا حتى الساعة السادسة مساءً، تلعن فصل الربيع، وتتمنى لو أن كل فصول السنة خريف وشتاء، حيث تداهم العتمة الورش مبكرا. لن تغادر إلا بعد وصولها إلى البيت، ولن يمكنها أن تخرج بعد ذلك.

في طريق عودتكما إلى بيتها، انتابك فرح غامر، وهي تلمّح- وبنبرة ملتاعة- إلى أنكم أوشكتم على الانتهاء  من البناء. أدركت أنها تحبك وستفتقدك.. حتى لو لم تنطق بهاتين الكلمتين العذبتين.

 أهو الخوف من ألا تراك ثانية؟

في الصباح، بدوت حزينًا، عند نقلك إلى ورش آخر، بدون سابق إعلام، ومن مقر عملك الجديد، أرسلت إليها رسالة قصيرة ((sms تبلغها بذلك. مساء، عند وصولها إلى البيت، اختلست سعاد نظرة إلى الورش، ولاح لها  صديقك، الذي تمازحه بــ"خُو البْهَايْمْ" واقفا في الشرفة، ولأنه كان في مثل سنك، فوجئت بها تتهمك بأنك تتهرب منها.. رأيتُكَ، وكنتَ ترتدي "جاكيت الجينز". وفي دقائق، وجدت نفسك  عند الورش، تصبّ جام غضبك على صديقك.

لا تنكر أنه من أهداك هذا الحب، حين أخبرك - لأنه كان يبيت في الورش- أنها تمرّ في هذا التوقيت. لكن، ليس معنى هذا أن يستمر في مراقبتها، وهو من رآها عند دكان بقال الحي، ولم تكن ترتدي الجلباب.. ثارت ثائرتك : لماذا تخرجين ليلا، وأنت تعرفين أن المكان مليء بالبنائين، وأغلبهم  بدو وأوباش؟ فليذهب غيرك للدكان. أنا جئت للاتصال بك. لا تتصلي بي، ولا تخرجي ليلا.. ثم ماذا كنت ترتدين؟ هل تظنين نفسك في البادية، حتى تخرجين بثياب البيت؟

قبل أيام، أخبرتك أن هناك من اتصل بصديقتها هاتفيا، وخمنتْ أن يكون ذلك الشاب، الذي كان يتلصص عليها، وهي تركب رقم صديقتها في مخدع الهاتف العمومي، المجاور للدكان،  فحفظ الرقم.. زفرت : هؤلاء الغوغاء، أولاد  القحاب.

أرسلت إليها رسالة قصيرة ورنة، تعلمها أنك قريب من البيت، وأنت تعرف أنك لن تراها، ولن تطل من الشباك في وجود أخيها، كئيب السحنة.. أف، لماذا خلق الله للحبيبات إخوة نتعذب بسببهم؟ نادية  هجرتها، وهي مغرمة بك، باحثا عن حب آخر، بسبب إخوتها البغال.

***

شكرا لك يا ذات العطر. ذكّرتني  بالمرأة، التي أدين لها بتحول مساري الأدبي، فخرجت من قفص الرومانسية البلهاء، وارتميت في حضن الواقعية النقدية، المغلفة بالسخرية السوداء. لو أنني  تزوجتها، وعشت سعيدا، هل  كنت سأحقق هذه القفزة في تجربتي القصصية المتواضعة؟

شكرا لك أيها الألم…

 لولا جرح سعاد لما كتبت فاتحة كتاباتي الجريئة، قصة : "بيت لا تفتح نوافذه…"، أو رواية : "كائنات من غبار" التي غاب  فيها اسمها، لأن جرمي لا يغتفر حين كتبت  في رسالة قصيرة  لها أنني كنت مع عاهرة حائض، وتخيلتها محلها، وحتى أمعن في حيوانيتي  ودناءتي، حدث ذلك أمام عيني صغيرها.. كنت أبحث عن أية وسيلة حتى  تحتقرني وتكرهني، ولا نتعذب ببقايا الحب.

 سعاد  تحضر في العديد من النصوص، هي  الحاضرة الغائبة في "بانت سعاد فقلبي اليوم متبول"،  "وشاية بأصدقائي"، وفي قصة : "روتانا سينما و… هلوسات أخرى" (وهي القصة ذاتها، التي ستصدر في  مجموعتي القصصية الجديدة تحت اسم "نشيج الروح"). لكنني لا أكتب عن الجنس لمجرد الإثارة، وما أسهل مثل هذه الكتابة، وفي حياة كل واحد منا تجارب مثيرة… ! لو كنت أتطلع إلى الكتابة الرخيصة،  فسأكتب عن تلك المرأة، التي طلبت مني أن أعتلي ابنتها، وأنا طفل غرّ، ينام  بينها وبين بناتها الثلاث… بيد أن هذا النص حافل بالقذارات الجنسية حد الغثيان، وهو ما قد يعطي انطباعا سيئا عني، ويفسر الأمر على أنه كبت جنسي.

حين كتبت إلى صديقي الشاعر الكهل أنني بصدد كتابة روايتي الثانية، طلب مني حشوها بالكثير من الجنس. فهل نقرأ الروايات من أجل الجنس؟..  شاعر كهل آخر اعترف لي بأنه غب قراءة قصة لإحداهن، وبسبب الوصف الحار للتفاصيل سارع إلى امتطاء صهوة زوجته.. فهل نكتب لنستمني؟

 يا للغثيان !!

***

أنقذته مكالمة رئيس التحرير من ورطته، وكان يمشي بجوار عانسه البدوية، وهو يلتفت يمينا ويسارا، مفكرا  في أنجع طريقة للتخلص من هذه البشعة، التي تبدو، وكأنها جدته.. تصر على أخذ رقم هاتفه المحمول، وهي تعبّر له عن  افتتانها بها من  أول نظرة… لم يحدث أن تغزلت به امرأة من قبل هكذا، لكنه لن يقع في  حبائل هذه البدوية. ناور، طلب منها رقم هاتفها، حتى يتصل بها حين تزور مدينته  في المرة القادمة. اعتذرت بأنها لا تملك هاتفا محمولا..

لم نبال بنبرة الحنين الفائض في صوت شابّ لا يزور قريته  إلا في الأعياد،  حين اتصل "أخو البهائم"  بأخيه الأصغر،  اندلعت عاصفة من الضحك، بعد أن سأل أخاه عن كل شيء، وقبل أن ينهي المكالمة، وكمَنْ تذكر شيئا.. بلهفة هتف : " واشْ الحْمارة وِلْدت؟"، ثم استطرد بفرح متسائلا عن جنس مولود الأتان : " آشْ ولدت؟".

***

رنّ هاتف ذات العطر، وبدأت توشوش مغلفة بيدها الجهاز.

 قبل قليل، كانت تتحدث مع المرأة المقابلة لنا في مقصورة هذا القطار- الخردة.

ذات رحلة بيضاوية، تعرفتُ على تلك الثلاثينية، التي لم تشأ أن تصارحني عن  وجهتها في مدينتي، أو عن صلتها بمن جاءت لزيارتهم. أيمكن أن يكون حبيبا تبيت في حضنه ليلة، وتعود إلى مدينتها؟  لم تكن جميلة بما يكفي، بيد أن جسمها أصابني بالدوار.

في ظهيرة اليوم التالي، أرسلت لي رسالة قصيرة تبلغني فيها أنها في محطة القطار، وطلبت مني إحضار سمك، وألا أتأخر.. أيعقل أن يتركها من كانت في ضيافتهم، تسافر بلا غداء، ودون أن يودعها أحد؟

صمّمت على أن أصطحبها حتى الدار البيضاء، ألفيت نفسي غارقا في التقاط صور لها بهاتفي الجوال، وهي ترشقني بابتساماتها. تحدثتْ عن صعوبة لقائنا، واقترحتْ أن نلتقي في الدار البيضاء، كل أحد. فكرت في  مشقة  وخسائر حب كهذا، وكل واحد منا قادم من مدينة، ونلتقي كغرباء في مدينة أخرى. أخبرتني أن هناك شابا خليجيا يزعجها بمكالماته الهاتفية.. (في ما بعد ستكون أنت المطارد باتصالات تلك الجدواية، غير العابئة بتكاليف مكالمات دولية تتعدى الخمس دقائق، يا لهذا القلب العابر للقارات !!).  نصحتها بأن تفتح الخط،  تبعد الجهاز عنها، وتتركه يتكلم كما يشاء.

 لا أدري لماذا أحب أن أكون الوحيد في حياة كل امرأة؟

 لسعتني الغيرة، وهي تحدثني عن أصدقائها الكثر، وإحساسها بالوحدة، وهي على مشارف الأربعين… أحتاج  إلى رجل. أف، إنها أسطوانة العوانس.

 مابك؟ سألتني، وهي تزيح يدي، وأنا أطوق خصرها، فتشير إلى أنهم ينظرون إلينا. لا أحد يعبأ بنا، كل الموجودين بالمقصورة شباب مع صديقاتهم، ولن يهتموا…

 تبا، هذه لا تصلح لأي شيء. ليس من المعقول أن  أسافر  كل مرة، ومن أجل لا شيء… وألفيت نفسي أدرب قلبي - مرة أخرى- على النسيان، المخضب بالألم. لا، لن أحب مرة أخرى من أجل الحب.

***

   أنا لا أحب السفر في التاكسي، قالت ذات العطر.

   فكرت في سائقي سيارات المرسيدس المجانين، الذين يخاطرون بأرواح المواطنين، والمرأة تسرد للسيدة، التي شاطرتها عدم حب السفر عبر سيارات الأجرة، وتتحدث بكثير من الغرور عن جعلها سائق حافلة يخرج قبل موعده، وتأنيبها للرجال على صمتهم وتغاضيهم  عن جشع السائق. قلت في سرك : أنت، فعلا، خلقت لكي تكوني رجلا. فلا أثر للأنوثة فيك، تماما مثل تلك العانس البنّورية. على الأقل، ما شدني في بدويتي نهداها المتصلبان. استرقت النظر إلى جارتك ولاح لك سروال الجينز، الذي يخنق تفاصيل جسدها الثر، وهي تتحدث عن نجاتها من الموت،  بعدما  انفتح الباب بغتة، والسيارة تمرق، وكاد جبينها يلمس الإسفلت، فسارع  الراكب المجاور لها بشدها من ذراعها… أخبرتُ زوجي وأسرتي،  وكانوا في انتظار السائق، لكنه  سلّمنا في محطة أزمور لسائق آخر. رن هاتفها مرة أخرى، وكل مرة،  كنت تتابع وشوشتها باهتمام… أيعقل أن هناك زوج يتصل بزوجته كل خمس دقائق، وتتحدث معه  بصوت خافت؟ إن من يتصل حبيب  يريد إطفاء نار أشواقه على السرير.

   سيدتي المحترمة، لقد اعتدنا أن  نفعل مثله مع (…)،  نتصل كل دقيقة للسؤال عن سبب التأخير.

***

انتزع الشريحة المستعارة من جوف الجهاز، ضغط عليها بإصبعين فانشطرت جزأين، رماهما في بالوعة. وهمس لنفسه : الآن، يمكنك أن تتصلي بي، وعند سؤال شركة الاتصال، لن يُعرف صاحب الرقم، لأنه بلا عَقْد. أنا لست غبيا مثلك، يا عاهرة الفيسبوك.. تجودين بأرقام هواتفك على كل من هبّ ودبّ. هل تعتقدين أنني سأعطيك رقمي الحقيقي، مثلما أرسلته في رسائل خاصة لكل من عرفته؟

 سألته  إن كان الرقم، الذي يتصل منه رقم هاتف البيت، رد بحزم :  لا. إنه هاتف عموميّ.  

***

لا يرغب في إعطاء رقم هاتفه الجوال لأية امرأة، حتى لا يتألم مرة أخرى، وهو لا يرد على اتصالات  حبيبته السعودية.  ما جدوى حب امرأة لن تستطيع  مقابلتها، حتى لو كانت نبرات صوتها تفضح لوعة قلبها؟

 أغلق هاتفه المحمول، لا يشغله إلا صباحا، ويقرأ عدد الرسائل، التي تحدد عدد الاتصالات وتوقيتها. تتصل به حتى في الوقت، الذي تعرف أنه يكون نائما. أي حظ عاثر هذا يورطه دوما مع نساء ليليّات؟ اعتصر قلبه ألما، فكّر في كتابة رسالة قصيرة من كلمة واحدة : "انسيني"، ثم بدا له أن ردّ فعله هذا قد يجعله يضعف، ويستسلم مرة أخرى، وهو لم يعد قادرا على تحمل آلام الحب والغيرة.

ما شده إلى فتاته الجداويّة أنها لم تكن كغيرها من النساء المطلقات، اللواتي لا يفكرن إلا في الجنس، حتى لو كان افتراضيّا، وأدهشته مفارقة أن يعتبر الش

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كائنات الغبار بين المادي والافتراضي

كتبها هشام بن الشاوي ، في 6 مارس 2011 الساعة: 11:21 ص

 

 


كائنات الغبار بين المادي والافتراضي

قراءة في رواية " كائنات من غبار" لهشام بن الشاوي

 

محمد عطية محمود

 

 

 

 

ربما كانت العلاقة بين الإنسان وتجذر شعوره بالاغتراب والاستلاب بشقيه المادي والمعنوي ـ من خلال العلاقات المتشابكة لفعاليات الحياة ـ التي تعانق سمة التشظي التي يحفل بها الواقع المرئي المشحون، دافعا لسبر أغوار تلك الإحداثيات المنبثقة من العالم الذي يتشكل من لحمة مكان متشظٍ وزمان أكثر تشظياً وإقصاءً عن خريطة الوعي الإنساني، ذلك الوعي الذي يراهن عليه الأدب من خلال علاقاته العكسية الدالة على وجوب فعل المقاومة من أجل الحياة، والحياة فقط، والتي تنبثق من خلالها هذه الرؤية المتسمة بالسديمية والإغراق في الشعور بالعدم الذي ربما حول كل شيء إلى غبار، والذي قد تعمل على إنتاجه دلاليا مجموعة من الإحداثيات الجديدة التي تخرج أيضا من الواقع المادي الملموس والمحسوس معا، إلى الواقع الافتراضي أو عالم الشبكة العنكبوتية الأكثر إيغالا في التغييب والاغتراب، والتكريس لهما، والذي فرض على واقعنا المادي بتفاصيل أكثر غرائبية والتباسا، ليضع إطارا جديدا لتشابكات الحياة، وربما أدى إلى أنساق قد تخلق حالات جديدة مشوهة، تطرح علاقات لا إنسانية أكثر تشوها.  
 
ومن هنا ربما أتي هذا التعانق الذي أحدثته رؤية الكاتب المغربي هشام بن الشاوي، في روايته "كائنات من غبار" بين تيمة الاغتراب النفسي التي تفرض أبعادها هذه الحالة من التوحد الذي ترسمه الخطوات الأولى لسرده الموجه بضمير المخاطب، والذي يمثل الشاهد على مدى التحولات النفسية في ذات السارد أو الموجه إليه الخطاب الذاتي، تكريسا لمفهوم وقوع المخاطب في دائرة الحصار الذاتي الذي يفرضه الخارج بتداعياته وأموره المتناقضة التي تفرض عليه هذه الحال التي تبدأ بها الرواية، وربما تنتهي بها:  
"كما يجدر برجل وحيد وبائس تغفو إرهاقا، والحافلة تمخر عباب الإسفلت، في ظلمة المغيب الشاحبة.."(ص3)
حيث تمثل الحافلة هنا بداية ً معادلا للحياة التي تسير بالشخصية المأزومة في جو ممهور بالسديمية ومغلف بها، معطيا دلالات الجو النفسي ومنطلقا من هذا المكان المغلق الذي تنحصر فيه النفس، ويتحرك بها في حيز من الأماكن الخارجية التي تلقي بظلال قاتمة تسهم في التكريس لهذه السديمية، مختلطة بغبار الشخوص من حوله في واقع ذهني يتلقف الإشارات لينطلق منها إلى معانقة هذه الأطياف أو الكائنات التي تحولت في ضميره إلى غبار، فتتعدد تلك الأماكن مع الشخوص، وتتناثر في متن النص الروائي الذي يكسبها هذه الشرعية في كونها علامات فارقة في تشكيل الواقع المحيط  بهذه الشخصية المأزومة المخاطبة، كما في قوله:
"بجوار ضريح "للا عائشة البحرية"، نصبت خيام مهترئة، على شكل مطاعم، ومزارات دجالين وعرافات، وعبر ممر ضئيل يتدفق جدول ماء عكر، وقدر كبير مفحم، ملئ ماء تغتسل به زائرات الضريح للتبرك. بعضهم يبيع شموعًا وبخورًا. يثير انتباهك اللون الأخضر لمناديل وأعلام تبيع الوهم…"(ص10)
هنا يبدو الوعي الخارجي للمجتمع من حوله، في هذه الصورة الممجوجة التي تطرحها هذه الرؤية المضببة التي ترتبط هنا بالوهم، كأحد مترادفات التغييب الذي يمارسه الواقع على وعي الشخصية، والتي ترفضها الشخصية أو تناوئها على نحو من تأصيل علاقة التنافر التي تشير إليها تفاصيل الصورة أو المشهد السردي الدال، الكاشف عن مفردات الواقع المتأثر إلى حد التشبع بهذا الجو الموغل في الخرافة والدجل.. والذي يسهم بلا شك في رسم الخريطة الخارجية للمكان، الذي تتنقل فيه الشخصية منقادة، تحت تأثير هذا الشعور الإنساني الذي يبرزه النص بالتعاطف مع المكان، كعنصر دال على مدى الارتباط بالمكان بالرغم مما فيه وما حوله:  
"تلفظك حافلة أزمور، تحس بألفة غريبة حين تطأ قدماك أرصفة مدينتك، تدرك بأنك تحبها، رغم كل عيوبها، يهتف قلبك: ما أغرب الطبيعة الإنسانية!.
يتضاعف تعبك، تمني النفس ألا تتأخر الحافلة رقم 3، تلمح تجمهرًا بشريًّا، وسيارة الشرطة عند مدخل أحد الأزقة، يلتهمك الفضول.."(ص13)
تبدو الشخصية دوما في موقع المفعول به الذي يتلاعب به واقعه على نحو من العديد من الأفعال الدالة على وقوع تلك الشخصية تحت تأثير قوى خارجية تضغطها في هذا الحيز الضيق، بالرغم من إمكانية التحرك في مساحات مادية واسعة، أو فضاء (زمكاني)، إلا أن المساحات النفسية تكاد تنغلق على هذا الحيز الضيق الذي يمثله فضاء الحافلة، التي تلتهم الزمان وتختزله في صور تتداعى على خاطر هذه الشخصية المأزومة، والتي ما تكاد تلفظها حتى تستعيدها في مناطق أخرى من النص ومن خارطة المكان، الذي لم ينسلخ عنه هذا الذي مضت به أحداث النص بلا اسم، وهو ما يدلل على تلاشي وذوبان العنصر القيمي للشخصية، من ناحية، ومن أخرى إسقاطها على الجميع ، وبيان مدى ذوبان هذه الشخصية ماديا في أتون واقعها المحيط، فهو حي بداخل جماعته، شاخص بوجود شخوصه وعلاماته وما يجبله عليه من عاطفة حميمة، حتى تستعيده لتلقي به في مكان آخر.
كما يلج السرد الموجه في مناطق العتمة التي تعد من قبيل المسكوت عنه من خلال هذا التطواف الداخلي بالذات التي تستجلب التاريخ السري الذي يستحضره وعي الشخصية ويقدمه لها من جديد هذا الأسلوب المخاطب الممعن هنا في جلد الذات أو محاولة استبقائها تحت تأثير موروثها العائلي الخاص من جملة المسكوت عنه والمخزي والفاضح، الذي ينسحب على المجتمع من حوله:
"هذه الحكاية، تستروا عليها، كأشياء كثيرة مسكوت عنها، لا ينبغي أنيطّلع عليها الآخرون، كزواج غير متكافئ، رزقهم صهرًا يزروهم فقط من أجلبطنه،"يغسل مصارينه"، بتعبير عمك الأصغر، والوحيد الذي، بحكم رفقةالعمل، لا تتحرج من التفوه في حضرته بكلام نابٍ"(ص19)
ليجسد النص هذا الشعور الحسي بالغبار، المختلط بمادية التعامل مع مهنة الشخصية كعامل بناء، من خلال هذه النقلة من العالم الافتراضي الذي ترتاده الشخصية لتمارس فيه حياتها ـ والذي سوف يأتي تفصيل الحديث عنه لاحقا ـ إلى العالم الواقعي المرتبط بهذه المهنة، على أعتاب يوم عمل جديد:
"تنفض عن ثيابك الغبار، تصعد درجات السلم برشاقة، تهلل وجه صاحبةالبيت بشرًا، حين لمحتك واقفًا، متأملا " المعلْمين"، تترجاك أن تنهيأشغال الترميمات في بيتها، حتى ترتاح من الفوضى. يسود المكان هرج عند رؤيتك" ..(ص26)
***
يتحول ضمير السرد، ابتداءً من المقطع الثالث، إلى ضمير الغائب، أو السارد العليم، المتورط حسيا في هذه الأمور أو التداعيات التي تمتح هنا من وعي المسرود عنه، مقترنة بتفاصيل علاقات الآخرين من حوله، أو كائنات الغبار التي خرجت من الوعي الذاتي بها، خلال المقطعين الأولين، لتمارس حياتها على أرض واقع يحكمه الحكي بضمير الغائب المعبر صراحة عن الكل، فتبدو سمات الشخصيات المتداخلة على قدر كبير من الوضوح، بالرغم من التماهي، من خلال علاقات الجماعة المختارة ـ بحسب فرانك أوكونور في الصوت المنفرد ـ التي ينتمي إليها السارد والمسرود عنه في ذات الوقت، وهم جماعة عمال البناء، ومن خلال الجو النفسي الذي قد يمثله الغبار كأحد العناصر المكونة لخلفياتهم الشخصية فهم يتنفسون الغبار ذاته الذي يكاد يهرب منه السارد الذي تحول سارداً عليماً بامتياز وتورط معا:
"إنها الساعة ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حدود السرد و حدود السيناريو في “كائنات من غبار”

كتبها هشام بن الشاوي ، في 16 يناير 2011 الساعة: 20:46 م


 

حدود السرد وحدود السيناريو في "كائنات من غبار"للروائي هشام بن الشاوي
 
 محمد يوب
 
 
1-  تقديم :
عندما يريدالناقد قراءة عمل من الأعمال الإبداعية يصطدم بمشكلة المنهج، الذي سيعتمده لدراسة هذا العمل أو ذاك، قصد تبسيطه وتقريبه للقارئ، وهذا المنهج ينبغي أن يتصف بقدر معين من الموضوعية العلمية، وأن يعتمد لغة تقرب هذا العمل للمتلقي وتشعره بلذة القراءة، وتزداد هذه العملية صعوبة في  دراسة الأعمال الروائية. 
لأن الرواية أولا وقبل كل شيء كتابة مشكلة من مجموعة من الجمل، ذات حمولة فكرية وأيديولوجية، وكل ما يصدر عن الأديب من أحداث وشخصيات وتفضيء زمكاني، يتخذ صفة الأدبية بواسطة اللغة، ولهذا السبب تعتبر اللغة مكونا أساسيا من مكونات العمل الأدبي عامة والإبداع الروائي خاصة.واللغة بدورها لا تستقيم في الأعمال الروائية دون سرد والمقصود بالسرد، هو لغة الرواية وأسلوبها وطريقة كتابتها، أي الانتقال باللغة عبر مراحلها من الألفاظ إلى التراكيب، ثم التعابير فالدلالات، هذه اللغة التي تنقل الأحداث من المحيط الخارجي إلى الصور الفنية والجمالية. 
وفي السرد الروائي ينبغي التمييز بين المقطع و الخطاب، فالمقطع هو الجملة اللغوية التي تتوزع ألفاظها حسب التفسير المعجمي، أما الخطاب فهو تحول هذه الجمل من المعنى المعجمي إلى السياق الدلالي.وفي لغة السرد نجد "المحكي بالمعنى الحرفي للكلمة" le recit proprement dit وفيه يتدخل السارد في العمل الروائي ويكون طرفا مباشرا في نسيجها.
وهناك السرد "المحكي المشهدي" le recit sceanique حيث يكتفي السارد بتقديم الرواية دون أن يخضع نفسه للاستفسار، وهو ليس في حاجة إلى شرح كيفية توصله إلى معرفة ما يرويه.وفي رواية "كائنات من غبار"  يتصف السرد بصفة المحكي المشهدي، فنجد السارد يسرد الأحداث نيابة عن نفسه، وعن الشخصيات في كثير من الأحيان، ويفسح لها المجال للتعبير عن نفسها، وأحيانا يكون طرفا وسطا يتوسط الشخصيات، وكأنه واحد منها، دون التصريح بذلك مباشرة بل يظهر ذلك من خلال بعض ردود أفعاله، أو من خلال نبرة صوته التي تختلف من مشهد لآخر، وفي كثير من الأحيان يتخذ لنفسه مكانا منعزلا عنها، حيث يراقب الأحداث ويسيّر الشخصيات من نافذة واسعة، وهذا النوع من السرد هو الذي يمكن تسميته بالرؤية من الخلف :" بعد انصراف العمال يتجادل "بْعَـيـَّـة" و"كَبالا" بصوت خافت. هذا الأخير جر دراجته الهوائية المتهالكة، ولاح لـ"بعية" سرواله الممزق من تحت، وفضلات البهائم تحت حذائه…"(ص65).
فالسارد له مطلق المعرفة بشأن الشخصيات، فتشعر به وكأنه يراقب (بعية) و(كبالا) من بعيد، وينقل كل الوقائع والأحداث بكل دقة وتفصيل، بما في ذلك شكل الدراجة الهوائية والسروال الممزق وفضلات البهائم تحت حذاء (كبالا).إن السارد يركز على تتبع تفاصيل الأحداث والشخصيات فينقلها للقارئ بكل أمانة : "رمى "كبالا" الدراجة في إهمال على حائط البيت الطيني الذي بدأ ملاطه يتقشر. تحت جنح الظلام التقى عمه "التباري" واقفا أمام بيته، يرمي بعض أعواد الذرة اليابسة على الأرض بين بقرتيه العجفاوين.. مداعبا ظهر إحداههما، فيما الأتان تمد رأسها في حركات متسارعة مطالبة بنصيبها من التبن.. " (ص67-68). فالملاحظ هنا أن السارد يلتقط بشكل دقيق تفاصيل الفضاء الروائي، بل أكثر من هذا إنه يتتبع نفسيات الحيوانات، وهي تنتظر حظها من التبن واهتمام "التباري" ببقرتيه لأنهما مصدر رزقه، وهذا التتبع للنفسيات يزداد حدة عندما يقول : " مصدرة صوتا لن يقاومه، ويعرفه بحكم عشرته القديمة لحيواناته.. من خلال الصوت يدرك إن كانت جائعة أو عطشى أو مرهقة…" (ص68).
فالسارد في هذا المشهد يصف بشكل حرفي التمازج النفسي بين الشخصيات البشرية والشخوص الحيوانية، التي اتخذت موقعا هاما واستراتيجيا في نسيج العمل الروائي داخل فضاء "كائنات من غبار"، فتقنية السرد هنا تقنية غير ملموسة، تستشف من خلال الكلمات المنتقاة التي تترجم المرئي إلى لغة.
 
2- تقنيات السرد الصائت :
استخدمت هذا المصطلح تجاوزا لالتقاط مجموعة من المشاهد عبر فضاء الرواية .هذه المشاهد التي تشعر المتلقي أن الشخصيات في الرواية تتحرك محدثة صوتا فريدا من نوعه يلتقطه القارئ عبر مجموعة من الأحداث في الرواية،وكأن السارد يحمل على كتفيه كاميرا فيديو، وينقل بالصوت والصورة مشهد معاشرة "كبالا" للأتان : "ضبطته زوجة عمه محتضنا الأتان من الخلف وجسده يهتز (…) تراجع إلى الخلف، مبتعدا عن الأتان… شهقت غير قادرة على رفع عينيها:
- عرفت الآن لم لا تحبل كل أتان"نكسبها"؟" (ص69).
وهذه الحرية في التقاط المشاهد الجريئة والفاضحة لواقع نعيشه في حياتنا، بل أصبح طابوها من طابوهاتنا، استطاع السارد تكسير هذا الطابو وتمزيق الحجاب عنه، ورغبة منه في تفادي الوقوع في الإحراج اختبأ وراء ضميرالغائب، لكي يعطي لخياله ولغته الروائية الحرية التامة لذكر تفاصيل الوقائع والأحداث، بما فيها من جرأة، ومن انفلات تلفظي لا يليق بالمتلقي العربي، الذي يعيش ضمن منظومة أخلاقية وتربوية، فاللغة هنا تهتم بكل ما هو حركي في إطار زمكاني يزيل الحواجز المكانية والزمانية ممزجا إياها بالعوامل النفسية.ويبدو أن ترصد السارد لأحداث الرواية بهذه الألفاظ الهامشية يريد منها ذكر أنماط عيش لفئة من فئات المجتمع، التي تعيش على الهامش، ولها رؤية إلى ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مقاربة الأسوار العالية

كتبها هشام بن الشاوي ، في 3 ديسمبر 2010 الساعة: 21:06 م

 

 
 
مقاربة الأسوار العالية
 
نجاح إبراهيم*

   
حلمُ الأدب أن ينعتق ويُحلق، فقد قيّض له أن يخضعَ لمواجهاتٍ تحدّمن رغبته في التحليق، سواء كانت ترتدي لبوس الدين، أو القانون، أو المجتمع الذي هو أحد دوافع الانعتاق والتحليق .فغرزت الأسوار العالية في وجه طموحه كي لا يصل إلى قمّة القلعة مُلتمساًمكاناً مرتفعاً .لهذا ارتأى بعض الأدباء أن تستحيل الكتابة لديهم طائراً يُشار إليه بالبنان، فيحلق بجناحين قويين ليقارب تلك الأسوار وذلك باختراقهم المحظور، وإعلان الاختلاف والمغايرة والخروج عن الأعراف الذي يعدّ تطاولاً وانتهاكاً لما يخلف من خلخلة للسّائد .

 وقد غنّى الكثير من الرّوائيين هذا الموّال إمعاناً في تحقيق هذا الحلم، تمّ ذلك بالتمرّد على المقدّسات واختراق للمحظورات، وثمّة روايات عنونت بالمحظورات لتشير إلى هويتها كثلاثية المحرّمات لسعود المظفر، والتي تبدأ منذ السّطر الأول بما هو محرّم، حتى صفحاتها التي تتجاوز الستمائة، لا شيء فيها غير الجنس بأشكاله العادية والشاذة، وتمجيدُ تلك الخروق وعدّها إنجازاً يفاخر به، حيث يتحللُ الكاتب من أيّ رقيب داخليّ كان أم خارجيّ، ويعدّ ذلك مغامرة، وما كتابة المحظور سوى مغامرة، لكن أن تكون المغامرة من أجل المغامرة شيءٌ، وأن يحصد المغامر من وراء مغامرته إبداعاً،  فتثار أسئلة وتهزّ وعي القارئ الجمالي وتنمّي ذوقه، وتشير إلى هموم المجتمع وتفتح دروباً لمعالجتها شيءٌ آخر .

 
حلم الرّغبة في مقاربة الأسوار نادت به الكتابات العربية، وقدّمت كما قال الرّوائي صنع الله إبراهيم في شهادة له، عدداً غيرَ قليل من الإبداعات المتميّزة، لكن من الإنصاف أن نعترف أنّ دروباً كثيرة لم تطرق بعد، وأنّ طائر الخيال مازال عاجزاً عن التحليق عالياً في مواجهة الأسوار التي تحصّنت خلفها السلطة الدينية والسياسية، ومازالت التجربة الجنسية أكثر التجارب حميمية وتفرّداً وتعقيداً بمنأى عن التناول .

   
ولكن الرّوائي المغربي هشام بن الشاوي في روايته "كائنات من غبار"، أراد أن يفتح الدّرب ويسجّل جرأة غير معهودة في اختراق المحظور، وتحديداً في تناوله المحظور الذي يعدّ أحد الهموم الكبيرة في المجتمع كما قال نزار قباني، بل وأكد على أنها أكبر همومنا على الإطلاق، وهذا ما تؤيده الرواية إذ تتوجه إلى المجتمع المغربي، إلى ريفه وإلى قاعه بالذات، والذي كما أوضح الروائي لا يشغله سوى الجنس، فمنذ الصفحة الأولى نشمّ رائحة تورّم الكاتب من المحظور، يبدو ذلك نتيجة كبت ملموس، وفقر عاطفيّ : " كما يجدر برجلٍ وحيد وبائس تغفو إرهاقاً، والحافلة تمخرُ عباب الإسفلت تنتبه إلى تلك الفتاة المحجبة تشبه امرأة سكنتك ذات شقاء، على الأقل، هذه تتطلع إليها بحرية وأنت تدرك تمام الإدراك أنك رجل غير ناضج عاطفياً، تطارد سراب استقرار عاطفي" (ص3 ). ويمتلك الكاتب رغبة قوية في نكأ هذا الورم، ليحقق لذاته الخروج من بوتقة الكبت، والرقص الحثيث قرب المسكوت عنه، محققاً قول أرفينغ بوخن: " ليس للرواية موضوع أقدس أو أدنس عن أن تعالجه ."

 لذا فهشام بن الشاوي قدّم المقدّس بعد أن ألبسه المدنس، فنقل صور الحياة من القاع، أخرج  ما خبئ وراء الستار، وأبرز القيم البالية والعلاقات المشبوهة، وأشار إلى الضوابط المذبذبة، وبيّن أشكال الجهل والتخلف، والفساد المستشري بين الناس العاديين المنسيين، ومن بين السطور تقرأ سبباً لذلك، فالفقر والأمية والفراغ الذي يُملأ بالانشغال بتصفح الشبكة العنكبوتية، والدردشة الفارغة والكبت العاطفي الذي يفرغه الشباب في حظائر الحيوانات ومع النساء الشبقات،  واللواطة ونكاح الأقارب، كلّ ذلك تدفع به الرّواية إلى الظهور لتفجّر التركيبة الاجتماعية الفاسدة التي توخز الضمير، وتربكُ القارئ أمام صور مقدّسة سواء للأم أو الأخوال والأعمام، والصديق الوفي والمعلم الذي يخرّج أجيالاً، والذي كاد أن يكون رسولا، يضطرك هشام بن الشاوي لأن تقف مذهولاً أمام صور هؤلاء وتغيّر مفهومك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

” كائنات من غبار “: مسارات وبرامج سردية

كتبها هشام بن الشاوي ، في 2 ديسمبر 2010 الساعة: 01:54 ص

 

رواية " كائنات من غبار " للروائي هشام بن الشاوي: 

مسارات وبرامج سردية

عبد الغني فوزي


 


* توطئة:

 

       أتى الكاتب هشام بن الشاوي للرواية، انطلاقا من حفر ما. أعتبره، بعد محاولة الإحاطة بمنجزه السردي وأنفاس تجربته الإنسانية أقول أعتبره حفرا في الذات وهي على صلة قوية بالحياة في شكلها اليومي الخانق كعلاقات وأنساق…فهو لا يكتب حين تفرغ يده؛ بل يتدفق سردا من داخل اللحظة المكتنزة والمتشعبة الداخل. بهذا التوصيف، فكل كتابات القاص والروائي هشام السردية تفتح تلك الهوات ـ  والتي هي عبارة عن ذوات ـ  على ذواتها وعلى العالم. في هذا التماس الحارق بين الذات والعالم، تولد حكايات الكاتب هشام بن الشاوي. العالم كجماع لليومي والإكراه الملازم. فتتعدد المواجهات والاشتباكات. وبالتالي، تنكسر الطابوهات بشكل اعتيادي في الحكاية طبعا، لأن سرديتها لصيقة بشريحة البنائين النائمة في غبارها إلا من إضاءات الكتابة.

     " كائنات من غبار" أولى محطات هشام الروائية، لكنها استمرار بشكل ما، لمسيرته القصصية في " بيت لاتفتح نوافذه… "، و " روتانا سينما.. وهلوسات أخرى". استمرار على مستوى الثيمات، واللحظات السردية المشهدية، من خلال تتبع دقيق للدواخل، عبر حكايا تحافظ على خطيتها؛ لكنها تتقعر  في الحالات والتأملات.

 

 

 

 

* الحكاية الإناء :

     ما أثارني حقا في رواية " كائنات من غبار " هو تصويرها الدقيق، بشكل جمالي، لفئة البنائين كملامح وانشغالات. فقليلة هي الأعمال السردية التي تغوص وتحيط بملمح ما، لتقدم لك خاصية رقعة جغرافية في بعدها المحلي والإنساني. رواية " الكائنات " تفتح أمامك هذا الجدل حول شخوص كما الغبار وهو تعبير ينهل من المخيال الجمعي والشعبي بالأخص. وأظن أن أي جدل فلسفي وتأملي يستحضر الماهية، سيفسد لهذا التوصيف " كائنات من غبار " نكهته المنغرسة في التربة والذاكرة، ويمكن التلمظ بتلك العبارة، فيبدو الغبار محيلا على النسيان والإهمال المتراكم كما الحزن الأليف… وهلم غبارا. تقول رواية " كائنات من غبار " في ص 39  : " سرى بعض الدفء في الأجساد، بدأوا يتخففون من معاطفهم، أشار أحدهم إلى أن يشرعوا في جمع " العشرات " لإعداد الفطور… طاف عليهم  " بعية ". التباري ـ كالعادة ـ فتح حافظة نقوده بحرص شديد، حتى لا يرى أحد صفائحه المعدنية، بحث عن قطع نقدية صفراء، عدها أكثر من مرة، تلكأ متسائلا عن ما بقي من طوبات سكر أمس".

      تنطرح رواية " كائنات من غبار" كرحلة، تبدأ من الحافلة وتنتهي إلى ورش البناء عبر بابه الذي يفضي للمتاهة ( ارتباط السارد بامرأة ذات ولد ). فبين نقطة البدء والمنتهى، تمتص عين السارد المشاهد القريبة منها  ( كذات موغلة في اليومي )، لتبرز مفارقاتها أو اصطدماتها الداخلية. ففي علاقة السارد بالمرأة تبرز تلك الثنائية بين الواقع والمثال، أي السعي إلى السمو بالحب كقيم ومشاعر نبيلة. لكن الواقع يكيل بمكياله الذي يجرف كل حلم أو طموح.  وهكذا يشخص السارد ما يحيط به في الحي، في ورشة البناء، في المنتدى أو العالم الافتراضي..

    تصور الرواية مشاهد من حياة السارد ـ تذهب وراء وفي الحاضر ـ  في تواز أو ترابط مع مشاهد من حيوات ش

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محاولة رثاء فاشلة

كتبها هشام بن الشاوي ، في 14 أكتوبر 2010 الساعة: 16:38 م

 

 

 

محاولة رثاء فاشلة:

 

رحل أسامة أنور عكاشة، وترك أبطاله وجمهوره يتامى

 

هشام بن الشاوي

 

 

 

 
 

 

تذكرت  مقطعا في رواية "بداية ونهاية" لنجيب محفوظ، يصف فيه  قميص رب الأسرة، الذي فارق الحياة قبل لحظات، في حين مازال قميصه مبتلا  بعرقه الذي لم يجف بعد..  تذكرت هذا المشهد، وأنا أعيد تشغيل شريط حواري الأول مع عميد الدراما العربية، الكاتب الكبير  أسامة أنور عكاشة

سيجف العرق، لكن سيبقى صوتك، أيها الغالي.. حيا، نابضا، شاهدا على خسارة كبيرة بالنسبة لي، فلولاك ما تورطت في محبة السرد.

****

وصلني خبر رحيل أنور عكاشة  في إميل مقتضب، تحت عنوان "عاجل"، من صديق  يعرف أنني مهووس بأسامة حد عبادة البطل، لكن ما فتنني به - منذ  بداية التسعينات- عبقريته السردية/الدرامية… بينما مازلت نادر الاهتمام بمقالاته وتصريحاته النارية.

كان الخبر بدون تفاصيل، وهكذا وجدتني  مرتبكا، غير مصدق، غير قادر على كبح جماح دموعي، ودون حتى محاولة التأكد من الخبر…

ما آلمني أكثر أنني  اعتبرت نفسي مقصرا في حقه- رغما عني، ولأسباب قاهرة-،  منذ أن علمت بخبر  دخوله غرفة العناية المركزة. لم أتمكن من الاتصال به هاتفيا، أو على الأقل إرسال رسالة قصيرة.. تدعو له بالشفاء العاجل. أتألم… لأنه رحل دون أن أسمع صوته.. لآخر مرة، وأتساءل : هل أحذف رقم هاتفه المحمول ورقم هاتفه السكندري الثابت؟ ماذا سأفعل بهما ومن سيرد علي؟

هكذا ترحل دون أن أسمع صوتك مرة أخرى، وأنت تردد كالعادة : "واخذ بالك" لتتأكد من انتباهي..

 

****

ما أبشع ظلم ذوي القربى !

ثمة ما هو مؤلم  أكثر من  فقدان الأحبة، وهو الإساءة إليهم، التي لا تنسى.. ولا تغتفر، في حين  نتعود على غيابهم، ونجد بعض السلوى. ما آلمني أكثر أن بعض الحاقدين والجهلة لم يستسيغوا نشر خبر تكفل الرئيس حسني مبارك  بعلاج أسامة أنور عكاشة على نفقة  الدولة، في  جريدة مصرية خصصت - الآن- ملفا عن الفقيد، ومن قبل،  أجازت نشر تعاليق  ركيكة، تافهة وفي منتهى النذالة،  وقد تعودت الصحيفة على السماح بنشر هكذا تعاليق، رغم وجود بروتوكول، أول من يخرق بنوده الجريدة نفسها. لو كانت موقعا خليجيا.. لن نلوم  زوار الموقع، لأن لهم  أسبابهم الخاصة لكراهية الكاتب. وما يثير الشفقة  نشر "إيلاف" تعاليق تهاجم عكاشة دون مراعاة لحرمة الموتى،  (فلتحيا حرية التعبير وديموقراطية النشر !!)، في حين تُحذف التعاليق التي تهاجم عاهرات الفيديو كليب ..!!

  هذه الجريدة المصرية المحترمة قامت بتشويه مقاربتي لرواية "جنة مجنون" لأسامة أنور عكاشة، بل إن محرر الصفحة الثقافية تصرف في مقدمتها  بغباء لا نظير له، مما جعل أحد القراء يتعجب لأنني لا أفرق بين أولى روايات الكاتب وآخرها، فراسلت الجريدة.. طالبا نشر المادة كاملة أو حذفها، لاسيما وأن النشر في نسختها الإلكترونية وليس ورقيا، ولم تبال الجريدة برسالتي.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أمل دنقل ينتصر على الموت بقصائد “الغرفة 8″

كتبها هشام بن الشاوي ، في 14 أكتوبر 2010 الساعة: 14:04 م

أمل دنقل ينتصر على الموت بقصائد "الغرفة 8"

 

هشام بن الشاوي


القارئ لديوان أمل دنقل أوراق "الغرفة 8"، سيلاحظ هيمنة وطغيان ثيمة الموت، وتتكرر مفردة الموت ومشتقاتها كالرصاص، الدم، السكين، التراب… في القصيدة الواحدة أكثر من مرة، وهذا يعزى إلى الظروف النفسية للشاعر، وهو ينتظر الموت كخلاص من عذابات السرطان الذي نخر جسده النحيل، أمّا كشاعر فقد انتصر على المرض الخبيث، وترك للأجيال هذا الديوان الخالد في القلوب، والغرفة "8" أقام فيها أمل دنقل أكثر من عام ونصف العام بمعهد السرطان، وفي قصائده ذلك الوعي الشقيّ والحادّ لدى المبدع مرهف الإحساس، الذي يدرك بحدسه أنّ أيّامه في الدنيا صارت معدودة، وقد ألفيتني مشدوها أمام صوره الشعرية النابضة:

هل أنا كنت طفلا…
أم أن الذي كان طفلا سواي؟

وهو الجنوبي الذي يخشى قنينة الخمر والآلة الحاسبة، ويشتهي أن يلاقي “الحقيقة والأوجه الغائبة”، ولعلّ قصيدة “الجنوبي” عكس بقية قصائد الغرفة “8″ موغلة في الأسى والانهزامية، كأنما الشاعر يرفع الراية البيضاء، وينتظر مصيره المحتوم.

في قصيدة "ضد من": يقف حائرا أمام البياض : "كل هذا البيّاض يذكرني بالكفن"، نقاب الأطباء، لون المعاطف، تاج الحكيمات وأردية الراهبات، أربطة الشاش، القطن، قرص المنوم، أنبوب المصل، كوب اللبن"الحليب". كل هذا البياض، حتى لو كان رمزا للنقاء والبراءة والطهر، يشيع في قلبه الوهن.

 

بيد أن ما يثير الدهشة، أنه في مقابل هذا البياض الرهيب، يأتي المعزون متشحين بالسواد!، فهل السواد/ لون الحداد لون النجاة من الموت، تميمة ضد الزمن؟ أم ضد من؟ يتساءل الشاعر، وبين اللونين يستقبل أصدقاءه، الذين يرون في سريره قبرا، وحياته دهرا، وفي العيون العميقة لون الحقيقة، ولون تراب الوطن.
ورغم ما قيل عن أمل دنقل، ونعته بالشاعر الصعلوك، فقد بقي وفيّا لقضية شعبه، للبسطاء الذين كان واحدا منهم، عميق الارتباط بوعي القارئ ووجدانه، كما تشي بذلك قصائده اللاذعة، وعفوية التعبير، دون الاختباء خلف بهرجة الألفاظ، وتزييف الحقائق، كما يفعل الكتبة والمتشاعرون.

في "زهور": كتب برهافة الشاعر الذي يلتقط كل ما هو منسيّ ومهمّش في الحياة اليومية، ولا يهتم به الآخر. كتب عن الزهور التي تجود بأنفاسها الأخيرة، ما "بين إغفاءة وإفاقة"، يستحضر رحلة الموت، التي تبدأ بقطفها، وانتزاعها من عرش جمالها، و تحويلها إلى مجرد شيء للزينة، يخضع لمنطق البيع والشراء، في زمن تعليب و تسليع كل شيء!

"السرير": رغم أن هذا الجماد/ السرير جرّده من إنسانيته، من هويت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي