حجازي يعلن الحرب على قصيدة النثر!

كتبهاهشام بن الشاوي ، في 4 ديسمبر 2008 الساعة: 01:00 ص

حجازي يعلن الحرب على قصيدة النثر!

هشام بن الشاوي

 

 

قصيدة النثر... هذه الطفلة الممتلئة فرحًا وشغبًا، تشعل الحروب بين الشعراء، وتمضي غير عابئة بالجرحى والمعطوبين. إنها كالدولة العبرية، ولدت في الحروب ولا تعيش إلا في مناخات الحروب، بتعبير جهاد فاضل، وقد أثار كتاب أحمد عبد المعطي حجازي:قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء ردود أفعال متباينة، جلها ينتقد صاحب مدينة بلا قلب. إلكترونيا، تواصلنا مع الكثير من الشعراء لمعرفة إن كان صراع أجيال أم أن قصيدة النثر لم تستطع أن تثبت نفسها،  وبقيت جنسا أدبيا  متأرجحا  ما بين الشعر والنثر، وهل الأمر يستحق كل هذه الضجة؟

 

الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير يرى بأن قصيدة النثر صارت واقعا في حياتنا الشعرية في مطلع الألف الميلادي الثالث، فقد اجتاحت الساحة الشعريّة و الغالبيّة العظمى من الشعراء الشباب يكتبون قصيدة النثر لاغير، ويتنبأ بانقراض القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة على الساحة الشعرية، قبل نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.

وهذا الأمر- بالنسبة إليه- صار من المسلّمات لدى محبّي قصيدة النثر ومعارضيها، ولهذا التطور أسباب يوجزها شوقي في تطور الخطاب الشعري العربي وعلاقته الوثيقة بالخطاب الشعري العالمي، كإحدى الملامح الأساسية للشعر المعاصر، وتلاقح المعارف والفنون الإنسانية مع التطورات التكنولوجية: التي أحدثت ثورتها وأنجزتها في العالم من حولنا، وما زلنا نحن نعوم في محيط فولكلوري مثل أسماك في أكواريوم معزول….

ويضيف بأن هذه الحقيقة تفرض نفسها حتى على: من يتحسرون على الإيقاع والخطاب الغنائي الشعري… إنه عصر النثر شعراً ونثراً… أي إن خطاب هذا العصر الحديث هو النثر، فكل شيء يمرّ عبره. كما كان خطاب العصور القديمة هو الشعر، وكان كل شيء يمر عبره بما في ذلك الطب والفيزياء والنحو والتأريخ… كلّها كانت تكتب شعراً (الألفيّات)، لأن العصر يومذاك كان عصر الشعر وخطاب الشعر هو الخطاب…

انعكست الآية اليوم وصار النثر هو الخطاب….

 

أما الشاعر المغربي صلاح بوسريف فيجزم بأن ماضي الشِّعر يُعَلِّمُنا أنَّ  الشِّعرَ يَصُونُ مُسْتَقْبَلَهُ، في غًفْلَةٍ مِنَّا جميعاً، ولا يُمكنُ أبداً، رَهن مصير الشِّعر، بغيابِ شاعر ما.  ويرى بأن: الشِّعرُ اليوم، ليس هو ما كان بالأمس، بمعنى أنَّ شعرَ المتنبي، وأبي تمَّام، أو غيرهما ممن خاضُوا الشَّعرَ بشَغَفٍ، لم يعُد يُكتَبُ بنفس الشروط، و لا بنفس الأشكال، أو المُقترَحات الإيقاعية، إذا حَصَرْنا الأمرَ في الإيقاع تحديداً.

 

ويسترسل بأن الشعر استطاع تجاوزَ كل الأزمات، و يتخذَ لنفسه صيغا أخرى للتعبير عن شِعْريَتِه :و إذا عُدنا لنصِّ، حازم القرطاجني، في المنهاج، في رَدِّه عمَّن حكموا على الشِّعر بالفساد، أو بالانتهاء، سيتبيَّنُ لنا، كيف أنَّ الشِّعرَ أكبر من أزماتِهِ، أو هو يتجدَّد بأزماتِه، التي تكون نوعاً من المراجعة، أو القَوْمَةِ، كما في تعبير بعض الفقهاء.

ويستدل بمحمود درويش، وتجارب، ما بعد أحد عشر كوكباً ، التي جاءت أكبر من الوزن: كما أنَّ درويش لم يكن وحدهُ المعني بوزن الشعر، ثمَّة شُعَراء، غيره، ما زالوا يخوضون الوزن، في سياقه الإيقاعي الأوسع.

حين نقرأ الأعمال الأخيرة لمحمود درويش، نجدُ نوعاً من النُّزوع نحو تخفيف الشِّعر من ثقل البلاغة، أو من شِعرية القصيدة . و هذا لا يعني أن محمود تنازل عن الوزن، بل عمِلَ على اسْتِدْراجِهِ إلى جهات التركيب، و التعبير النثريين. يبقى فقط، على الشُّعراء الشبان اليوم، أن يستثمروا هذه المساحة التي خاض في أُفُقِها محمود تجربته الأخيرة، للخُروج من فَقْرِ النثر، حين يذهبُون إليه، بِيَدٍ يَنْقُصُها الشِّعر، أو لا تملك القدرةَ على وعي الإيقاع، بالصورة التي ذهبَ إليها درويش.

إنَّ تجربة محمود، مثل تجربة أنسي الحاج و الماغوط، و عفيفي مطر، و أدونيس، و سعدي يوسف، و غيرهم ممن يُزاولون الشِّعر اليوم بفَرَح، أو يُزاوِلُونَ دَهْشَتَه، هي طريقٌ، أو إحدى طُرُق الشعر، التي تجعلُ من الشعر يحيا، حتى في ما نفترض أنه أزمة.

     

وعن موقفه من كتاب حجازي شبّه شوقي عبدالأمير إصرار حجازي بــإصرار المستر باسبارتو بطل رواية حول العالم في ثمانين يوماً، الانكليزي التقليدي الوفي الصارم الذي يحترم قواعد وقوانين الحياة الانكليزيّة، ولن يقبل التنازل عنها، وعندما يسافر شرقاً تتغيّر الساعة بالطبع، ولكنه يرفض القبول بهذا التغيير، فيحتج وبقوة مؤكداً أن ساعته الانكليزية هي الصحيحة، وأن الشمس هي التي قد تخطِئ…

لكن مهما كان من أمر الشاعر حجازي فإن له الحق، كل الحق في إصراره هذا، وبالتالي فأنا أجد موقفه هذا ضرورياً لتكامل صورة الحداثة الشعرية بكل أقطابها، ولكن بالمحصلة النهائية فإن مثل هذه الحوارات والمواجهات لا تقدم شيئاً ذا بال للشعر وللعمليّة الإبداعية في حد ذاتها، ولو أنه أصدر ديواناً جديداً مثل مدينة بلا قلب لكان رائعاً حتى ولو كان شعر تفعيلة…

المهم هو الشعر، وما عداه هـمـروجة يتسلّى بها من طاب له ذلك.

 

 

بينما  الشاعر الأردني أمجد ناصر يعلق بأن الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي  اعتاد على هذا النوع من تناول الأشكال الشعرية العربية والصراعات الحتمية في داخل النص الشعري العربي، ويتساءل: لا أعلم لِمَ كل هذا العداء تجاه قصيدة النثر من شاعر اعتبره رائدا في ما نسميه الآن القصيدة ذات النزعة اليومية والتفصيلية والمشهدية؟ ، ولأن حجازي لم  يكتب الشعر منذ وقت طويل، و لم يقرأ له  أمجد ناصر جديدا منذ عقدين، فهو : يعوض حضوره في المشهد الشعري بهذا النوع من الجدل الذي يعرف، مسبقا، أنه سيثير لغطا ، ويجزم ناصر بأن  قصيدة النثر موجودة ولا مجال لنفيها مطلقا من الكتابة العربية، فقصيدة الوزن موجودة، عند شعراء كبار ، ويرى بأن: لا ضير في تواجد أكثر من شكل شعري واحد. فالشعر لا ينحصر بشكل، كما لا تنحصر القصيدة بقالب بعينه.

ولا يعترض الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة على رفض حجازي لقصيدة النثر، ووصفها بما يشاء: من حق من يكتبون هذه القصيدة- وأنا منهم-

أن يواصلوا الكتابة، ويضيف بأنه لم تضايق من موقف حجازي، منذ أن بدأ بطرحه قبل سنوات، لأنه: شاعر كبير وله تجربة، ومن حقه أن يقول ما يشاء.

ويلاحظ أن عددا كبيرا ممن يكتبون قصيدة النثر لا علاقة لهم  بالوزن ولا بالموسيقى ولا بالعروض. وبعضهم لا يعرف معنى التفاعيل والأوزان ولا عدد بحور الشعر، ولم يسمعوا بالفراهيدي. وهذه مصيبة كبرى.

فكثير ممن يكتبون قصيدة النثر، كأنهم يكتبون خواطر أو قصصا قصيرة.

لذا لست متضايقا من رأي حجازي في قصيدة النثر.

ويرى حوامدة أن المؤمنين بالموسيقى والوزن في الشعر، ومنهم حجازي أقرب لروح الشعر الذي لا بد أن يحمل موسيقى وإيقاعا بالضرورة، وليس كلاما نثريا خالصا، لا تتوفر فيه شروط قصيدة النثر. فالكتابة صارت مشاعا لمن يعرف ولا يعرف، والأسماء تفرض دون النظر لمستوى المكتوب.

ويواصل:حتى لو غضب مني من يؤمنون بقصيدة النثر، أرى حجازي محقا، على الأقل في احترامه لوجهة نظره وقناعته ودفاعه عنها دفاعا مميتا.

 

والشاعرة المصرية فاطمة ناعوت امتنعت عن إبداء رأيها، فهو رأيٌ في حدِّ ذاته، كما تقول: امتنعت عن إبداء الرأي بشأن كتاب الناقد أحمد عبد المعطي حجازي، ذلك أنني لا أعرفه. أعرفُ وحسب الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي الذي كبرتُ وتربيتُ على شعره، لذلك لن أقرأ له: كتابٌ بلا قلب، فقط كي أظل أحبه كشاعر رائد أحزنني توقفه عن كتابة الشعر.

وتؤكد بأنها قرأت معظم مقالات حجازي في الصحف قبل أن يجمعها في كتاب: مللتُ السجالَ والدخول في معاركَ خرساء للدفاع عن كيان أقوى من الدفاع عنه، هو القصيدة الجديدة كما أسميها. حجازي عندي هو  أوجست رينوار، الفنان الانطباعي الشهير، الذي هاجم المدرسة الوحشية  التي ابتدعها هنري ماتيس ورفاقه في أوائل القرن الماضي، بعدما ضجروا من كلاسيكية التأثريين والانطباعيين في تعاملهم مع اللون على نحو سطحي. نحن الشعراء الجدد ماتيس، وحجازي، ومن على شاكلته، هو رينوار. لم يقدر رينوار على قتل ماتيس ومدرسته، بل قويت شوكتها وأفرزت السريالية والتكعيبية وما بعدهما.  فلينعتها بالقصيدة الخرساء أو العرجاء أو ليقل بشأنها ما يشاء. نحترم رأيه، ولا نأخذ به.

 

 ويتفق معها المغربي صلاح بوسريف بقوله: مُستقبل الشعر، هو الشِّعر ذاتُه، حين نعرف كيف نستثمر كُل المساحات المُمْكِنَة فيه، و أن ننفتح على كُلّ التجارب، دون عُقَدٍ، أو ادِّعاءات. ألَمْ يعتبر محمود تجربة السياب، بالنسبة له، كانت أُفقاً، فتح له طريق الشِّعر المُعاصر، و أرشدَتْهُ إلى أفق الشعر، الذي خاضَ هو الآخر وَتَرَهُ بفَرَحِ الشُّعراء، و بدَهَشَاتِهم؟.

 

أما الشاعر اللبناني وديع سعادة فاكتفى بالقول :حين أقرأ كلام حجازي الهجومي على قصيدة النثر أضحك كثيراً. في الواقع، إن حجازي يسلّينا.

 

 

 

 

 

 

 

526ima660ima

 

 

 

 

628ima

 

 

 

 

 

640ima

 

 

 

730ima

 

 

 

241ima

 

 

 

103ima439ima

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج