نوافذ السرد في “بيت لا تفتح نوافذه”… - بقلم فوزي عبدالغني
كتبهاهشام بن الشاوي ، في 15 يونيو 2009 الساعة: 00:00 ص
نوافذ السرد
في " بيت لا تفتح نوافذه " للقاص هشام بن الشاوي
صدر مؤخرا مؤلف قصصي عن دار سعد الو رزازي بالرباط بعنوان " بيت لا تفتح نوافذه " للقاص هشام بن الشاوي ، ويمتد على مدار تسعين صفحة ، من الحجم المتوسط ؛ متضمنا إثنى عشرة قصة منها :خطأ تمارسنا هذه الحياة ، أسعدت حزنا أيها القلب ، أوراق مهربة ، نصوص ليست للنشر ، بيت لا تفتح نوافذه ، امرأة فوق كل الشبهات ..ومن الملاحظ أن العنونة أتت في الغالب جملا أو شبهها تخبر بحالة أو مشهد ،لكن بصيغة النفي . وعليه في تقديري ينبغي قراءة هذه العناوين كنصوص صغيرة مثيرة للأسئلة والإشكالات عبر نماذج وإطارات قصصية مفتوحة بقوة الإحالة على اليومي وكثافته . وبالتالي يكون القارئ مطالبا بالبحث عن تجليات ذلك في المتن القصصي لهذه المجموعة الزاخر بالمفارقات والتي تم تشخيصها في مرآة الحكي . كأن القاص هنا يدعونا لنرى هذه الحياة ـ ماثلة أمامنا ـ العريضة المضغوطة في علب الضيق.
ـ حياة صغيرة:
مجموعة " بيت لا تفتح نوافذه " لا تنتقي موضوعات محددة؛ بل تطرح تلك المواجهة بين الشخوص واليومي في أخذ وجذب، في سلب وتحد، في مطاردة وانفلات. هكذا يمكن القول إنها قصص تتصيد حياة الظلال والفضاءات المضغوطة في الذوات من شدة الوطء الناتج عن الإكراه والخلل . وبالتالي تسعى الذات أن تسرد ذاتها هنا ، عبر سارد من صفاته الأساسية الغربة في واقع الحكاية وفي الكتابة نفسها ، باعتباره متيقظ الوعي بشكل حاد . وبقدر ما يطرح الكاتب عبر سارده حياة ما ، لها أفعالها وأحلامها ، هذا فضلا عن علاقاتها الاجتماعية ضمن فضاءات تنبسط كامتداد طبيعي لذلك . وهو ما أدى إلى التداخل والتشابك بالمكان الذي يعكس الحالات واللحظات المكتظة . إذا أردنا تشخيص المسارات والبرامج السردية في المجموعة، نلاحظ أن الأفعال في القصص تنطلق من وقائع شبه عادية؛ وهي مطروحة للعيان ( كدح، علاقات؛ سخط…) إلى التمركز في نقطة الذات الحاكية ، فيواكب ذلك تأملات واستبطانا ، ثم يعود السارد بكامل عنفه لنفس الأفعال في صدام متعدد الأوجه ( نفسي ، اجتماعي ، فكري ..) . تقول المجموعة القصصية في قصة بعنوان " أوراق مهربة ": " يقول المؤلف الثالث:
في زمن ما ..زمن ظلامي على أي حال..في عالم سفلي لا يستحق إلا أن تتبول عليه من مرتفع ما حتى لا تغرق رجلاك وسط ال..
( نسمع جلبة وصفير ..يختفي صوت الراوي، ويتعلل " أحدهم " أن عطبا فنيا وراء انقطاع ( اختفاء ؟! ) صوته..)
ينطلق صوت أنثوي دافئ محفوف بموسيقى ناعمة: أيها الحضور الكريم ! رجاء ، لا تنزعجوا ، ولا تهتموا بمتابعة هذا الفصل المسرحي اليتيم ، فلدواع سياسية وتنطق السين ثاء غنجا ) فرض علينا بثه ، ولا تنسوا أن مؤلفه يعاني من عقدة أوديب وعقد أخرى ..!! "
ـ تقنيات سردية :
من الضروري التنصيص هنا ، أن المحكي الذاتي في مجموعة " بيت لا تفتح نوافذه " من خلال السارد يسعى إلى إثارة قضايا وإشكالات مجتمع وحياة ، بناء على أفعال خاصة من قبيل العلاقة العاطفية بين الرجل و المرأة ، دعارة ، فوارق ، غربة ، عبث ، غربة الكاتب والكتابة في مجتمع لا يأبه…قصص بن الشاوي هنا تقول المحيط ببوح فائض عن كل الطابوهات والسلط العديدة في الحياة المغربية والعربية. نقرأ في قصة " خطأ تمارسنا الحياة " في نفس المجموعة ص 7 : " لم أكن أكره جارتي لذاتها ، لكني أمقت أن تتنقل من فراش إلى آخر ، حتى ولو لم تكن أختي ..تقول لي ، بصوت مبلل بالدموع : هذا الصباح ، اقترضت عشرين درهما..لأذهب إلى السوق…لأن الكلب الذي (…) البارحة ، لم يعطني ( سنتيما ).. الخبز " مر "، ورعاية ثلاثة إخوة يتامى " أمر "..! "
تبدو المفارقات في مرآة الكتابة السردية بارزة الأضلاع والأقطاب عبر أفعال ومصائر شخوص ؛ يتقعر معها الحكي بين التذكر والاستيهامات . فتكون الحكاية في المقابل عبارة عن مقاطع ومشاهد، عوض إخضاع الحدث لنسق الحكاية. وهو ما أدى إلى توارد الأحداث بشكل خطي لكن بطريقة تصعيدية ، أو يمكن القول إن الأفعال تولد حالات ، فتكون بذلك اللحظات مشهدية . وفي هذا السياق لا بد من لفت النظر للفراغات والبياضات التي تتخلل هذه النصوص ؛ لخلق اختصار قصصي وفتح أفق الدلالة على تعدد شبيه بتفاصيل اليومي أي أن الحكاية متعددة المسالك . كما يمكن استحضار تقنية الترقيم التي تجعل من بعض النصوص عبارة عن مرايا متجاورة .
ـ على سبيل الختم :
سعت هذه القصص مع هشام بن الشاوي إلى تمثل حرارة واقع مطبوع على الجلد بوعي إشكالي في صدام مع اليومي وعلاته ، مع الخواء واللامعنى ، مع منطق الحكاية الباردة ، الشيء الذي أدى إلى تدفق حكائي ،لا يعبر فقط ، بل يبوح بالأسئلة الحارقة بكيفية ساخرة ، بما في ذلك السخرية من الذات والكتابة… وطالما أن عدم التصالح مع الذات والعالم يولد سخرية وكتابة مركبة تنضح بالتعدد الخلاق… وليس ذاك بعزيز على قاص متعدد الاهتمام ، ولي اليقين أن بن الشاوي سيغني قصصه ، ويذهب بها إلى أقصاها وأقساها ، لتقوله فقط كقلق مركب .
عبد الغني فوزي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























