قراءة في المجموعة القصصية-بقلم حميد ركاطة

كتبهاهشام بن الشاوي ، في 9 فبراير 2008 الساعة: 21:48 م

 قراءة في المجموعة القصصية "بيت لاتفتح نوافذه …" للقاص المغربي هشام بن الشاوي

 

بقلم : حميد ركاطة

 

" بيت لا تفتح نوافذه "… هي باكورة أعمال القاص المغربي هشام بن الشاوي ، صدرت- عن دار النشر سعد الورزازي بالرباط وهي من الحجم المتوسط (94 صفحة) .. الطبعة الأولى ،2007 .
صفحة الغلاف الأولى مزينة بلوحة للرسام العالمي سلفادور دالي ، و على غلافها الأخير كتب القاص والروائي التونسي إبراهيم درغوثي :

" الآن انتهيت من قراءة كل نصوص المجموعة القصصية : " بيت لا تفتح نوافذه …" ، فشعرت بانتعاش كبير وأنا أقول لنفسي :
جميل ما يكتب هذا الرجل في هذا الزمن الرديء المسكون بالفجاجة والنفاق .
نعم يا صاحبي ، في كتاباتك كثير من الصدق مع الذات خاصة . فالآخر لا يعنينا في الأخير . المهم أن نصدق مع أنفسنا أولا وأن نصدق مع أنفسنا آخرا ثم ليكن بعدنا الطوفان .
في نصوصك هذه المكتوبة بعفوية الفنان المبدع يتجلى الخلق الحقيقي للنص الحارق الخارج عن قانون الكذب والنفاق .
نصوص تصور فجاجة الواقع كما هي دون أن تزينها حتى تكسبها جمالا زائفا ، لا تهادن الحاضر الذي تشيأ فيه البشر حتى صار أرخص من بصقة ولا تسكت عن ماضينا الذي كثيرا ما تفاخرنا به بين الأمم لتقول لنا بالصوت العالي :
" أفيقوا ، أفيقوا يا غواة " - نصف بيت للمعري – قبل أن ينساكم التاريخ إلى الأبد هذه المرة ." .

تحتوي المجموعة على إثني عشر نصا تمتد مساحتها من سنة 1996 إلى سنة 2007 ، عناوين النصوص بالعربية باستثناء نص واحد باللغة الفرنسية je suis malade .

والمبدع هشام بن الشاوي من مواليد مدينة الجديدة حاضرة دكالة وهي المنطقة التي يعشقها كثيرا وأبدع فيها أجمل نصوص مجموعته .
سوف أحاول تناول بعض نصوص المجموعة بالدراسة والتحليل لا من موقع ناقد ولكن كمبدع عاشق لهذا الفن الجميل ، بعين نافذة ومكتشفة لما تخفيه وما تزخر به من حمولات وجماليات في محاولة لفتح نوافذها المغلقة على مصراعيها رغبة في التطفل والاكتشاف .

من خلال قراءتي الأولى للمجموعة أحسست بحزن كبير ورغبة في الكلام ، لأنني كنت أبحث عن صورة المبدع بداخلها ، وكنت أعتقد أنها ستطفو لا محالة بسهولة أو لربما ستفتح نافذة من نوافذ البيت المغلق ويشرئب منها مبتسما أو ساخطا .. فخاب أملي ، فالنافذة لم تكن نافذة لبيت ، و لا لمقهى أو مخبأ سري ، بل كانت فكرة في أعماقي ترتج وتصفق بريح شتاء قارص أرغمتني على اقتحام عوالم مبدع وقاص متميز .. وقد جرت العادة أن يدخل الناس البيوت من أبوابها ، لكنني وعكس المنطق سأحاول اقتحام عوالم ابن الشاوي من نوافذ بيته المغلقة في محاولة للتسلل والتلصص على محتوياته وغرائبه .

* النافذة الأولى :

وأنا أفتح النافذة الأولى داهمني حضور امرأة في نص : "خطأ تمارسنا هذه الحياة " حيث جاء على لسان البطل : " لم أكن أظن في يوم من الأيام أنني سأمتطي صهوتها .. هي ، أول امرأة أدخلها إلى حياتي .. " . من هذا المنفذ أقحمني ابن الشاوي في عوالم إبداعاته الخاصة بكل سهولة دون مراوغات أو مقدمات ، أحسست أنني أعيش معه - ومن خلال نصوصه – الحدث في روعة وصدق ، وهو يخبرني في ص 6 بقوله : " لو كانت لي حبيبة لبكيت بين يديها ، ودفنت أحزاني في صدرها .. !!" . هي أمنية صريحة وحلم دفين كان يراوده من قبل .. (كما أنه ) كان يعتقد أن تغيير وضع معين والتحول إلى كائن آخر أرقى وأسمى في نظر الآخرين قد يغير موقفهم منه أو يضعونه في مرتبة مميزة كما جاء على لسان البطل في ص 7 : "كنت أتوهم ، وأنا مراهق حالم ، غارق في رومانسيتي ، أني حين أصبح شاعرا ستطاردني البنات في كل مكان …" ، وأنا أتساءل هل ستطارده البنات أم لعنة أخرى أجمل وأروع هي الكتابة عن المرأة ورصد حالاتها النفسية وواقعها المزري وعلاقاتها العابرة بكل تفاصيلها الدقيقة : خيانة / إخلاص / حب / كراهية / انكسار / لوعة / رغبة / غيرة / تلاعب / استهتار / مشاعر … وهي مرتكزات امتدت داخل كل متون المجموعة ففي ص 44 جاء على لسان البطلة " امرأة فوق كل الشبهات" : " كل النساء أغلقن الباب في وجهي وهن يلتهمن قوامي بنظرات نارية " ، إنها حالة رهيبة ، إحساس الأنثى الذي لا يخطئ وحنقها على مثيلاتها من النساء ، إنهن لا ينظرن إلى فاقتها واحتياجاتها ، بل إلى عواقب تواجدها في منازلهن وما سوف ينتج عنه من قلاقل داخل أسرهن ، وهو أمر منطقي إلى حد ما لكن ما أفرده القاص هنا هو تصوير عميق لإحساس امرأة بالفراغ والتيه .
ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد بل سيتطور إلى حد تعرضها للاستغلال الجنسي في أكثر من موقف ، تقول البطلة ، ص 45: " لم أحس به إلا وهو يطوق خصري بيديه وبرعشة كهربائية تسري في عروقي …
- سيدي ، لو كنت أريد أن أفعل هذا ، لما طرقت با ب غريب ! كرامتي كامرأة لا تسمح لي ، والانتحار أهون علي من أن … !! " .
فالمرأة رغم رغبتها المحمومة والمقموعة لن تسمح بأن تكون دوما لقمة سائغة للآخرين .. وهي مشاهد تتكرر بقوة ، بحيث يوغلنا الكاتب في أعماق نفسية أبطال نصوصه لنستشف حروقها البليغة ولوعتها و آلامها الدفينة في صمت جنائزي رهيب ، تقول البطلة في ص 43: 44- في أعماق الليل ، وأنا أتلوى في فراشي كالأفعى … (…) كنت أخفي عنك دموعي ، أواسيك بكلمات بدأت أشك في معناها .." ، وتردف قائلة : " استقبلني العجوز بحفاوة ، ولا حظت انتصاب أسفله ، وهو يهم بأن يحضنني .. تذكرت زوجي عند رغبته في قضاء حاجته (…) بصقت في وجهه : " تفو ! كلكم كلاب " (ص 46) . وقد أثارني تقابل صور هذا المقطع وتناقضها الصارخ.. وضعية جلوس رب العمل / جلوس الزوج المقعد .. مشاعر ممزوجة بالكراهية والاتفاق والتذمر . تقابل ميزته الأساسية الرغبة الخبيثة / الرغبة في قضاء الحاجة ثم البصق بقوة … كأننا أمام دناسة … وقد وصل الأمر إلى حد القتل دفاعا عن الشرف عند الاغتصاب في لحظة ضعف .. بكل عنف :" لمحت حجرا بالقرب منها (…) سددته بكل ما أوتيت من قوة إلى رأسه ." . ص48
وردود الفعل العضوية تكررت في مشهد آخر بحيث نجد في الصفحة33 نص" نادية " : " بأصابع متوترة تصرخ: " هذه رسالتك ، انظر إليها .. سأمزقها أمام عينيك ولتذهب إلى الجحيم .. " .

* النافذة الثالثة :

بالمقابل صادفتنا صور مختلفة لنساء أخريات حسب ما لا مسته في ص 63 ، يتحدث عنها السارد بحنو كبير ( للا زينب ) : " أما زلت تتذكر للا زينب ؟ ومن ينسى أيام البيت البيض ؟ ! تلك أيام حلوة سرقناها حين غفل عنا الدهر .. " . هذه المرأة مختلفة ومتميزة لأنها شكلت منعطفا خاصا وتركت ذكريات جميلة في مخيلة السارد ويعقب على ذلك بقوله في ص 64 : " كان البيت (…) قبلة للمهزومين ومن قلوبهم مرض "، فالبيت محطة استشفاء وراحة من كل هموم الحياة .. ملاذ نقي ، وزاوية لتصفية القلب والعقل من كل الشوائب ..

* النافذة الثالثة :

في نص "ذائقة" نجد نموذجا للمومس استهله السارد بقوله : " أغادر قلعة صمت اللحظة المتبتلة ، وكمن يبوح بسر خطير.. لامرأة تعرفت إليها للتو ، وبدأت اقتحام عوالمها الخاصة : هذه الأغنية تذبحني .. !
تجيبني وهي تداري ضحكة خجولة :
- راها غير ديال الكويس !! " . ص 29

وسوف تتضح الصورة أكثر وبشكل فج وفاضح مميطة اللثام عن واقع قاتم داخل بيت للدعارة في مشهد رهيب بحيث يقول في ص 35 : " من خارج غرفتنا ، أسمع صوت "فاطمة " .. تساوم صديقي "ع" :
- لا يا عزيزي ، لا .. نقودك لا تكفي حتى لحلق شعر عانتي .. !! " .
إنها مشاهد من الحياة السرية للمهمشين والمهمشات التي يستعصي أحيانا سرد تفاصيلها الموجعة أو التقاطها بيسر لأسباب معروفة (طابوهات ) يصعب الحديث عنها .

* النافذة الرابعة :

هي نافذة كبيرة نطل منها على الشارع العمومي، بحيث نقرأ في نص فرعي "تلصص " ما يلي : " … تخترق المشهد امرأة …
بملابس ديموقراطية (ضيقة جداااااا ) ..
تضمن حرية التعبير لكل مفاتنها ..
(…)
الأخت الكبرى تعض على شفتها حنقا .. تمني النفس لو كانت لها عجيزتها …..!! والأخت الصغرى(…) تندب خدها بأصابعها وأكاد أسمعها وهي تقول : ووويلي !! " . ص 28

* النافذة السادسة :

وهي نافذة من نوافذ البيت الذي لا تفتح نوافذه . ص 40 ، وقد عرت واقعا حزينا جدا لامرأة تقطر جمالا وعذوبة ، ربة بيت تحترق في صمت .. تداري رغبتها وراء نظرات"مخدرة " ومحمومة ، تبتلع حسرتها وخوفها في الأعماق رهبة من زوج ملتحٍ عجوز لا يهمه من حياته سوى عمله الأخروي ، وتوق زوجته إلى الانعتاق واحتضان حبيب يفور قوة وشبابا ورعونة ورجولة كاملة ، إنها النافذة التي شكلت عتبة كبيرة لكل النصوص وفضحت أسرارا خطيرة يتوارى من خلف ستائرها ما لا يصدق .. " أرفع بصري إلى نافذة فوق المطبخ المقابل لسطح بيتنا ، تصطدم عيني بزوجة جارنا الملتحي الصارخ جسدها فتنة وأنوثة ، تحاصرني بنظرات مخدرة دهشة واشتهاء … تختفي .. توارب النافذة .. يلوح منديلها الوردي فاضحا كل شيء . " .

* النافذة السابعة :

لقد تفاجأت وأنا أفتح هذه النافذة عنوة من أجل التعرف على صور نساء أخريات طبعوا مخيلتي بكثير من الغرائب و المواقف فوجدت امرأة متميزة وفريدة "الأم " التي يقول عنها بكل أدب واحترام وصدق .. أتأمل وجه أمي المشرق براءة ورقة ، دون أن أجرؤ على النظر إلى تفاصيل جسدها .. يتناحر في داخلي ألف سؤال وسؤال .. في حجم الدهشة وبطعم الألم ! " .

* النافذة الثامنة :

في نص "الضحايا" تطالعك صورة بشعة لامرأة خائنة مستهترة لا يهمها من الحياة سوى اللذة والمتعة ، امرأة بلا مبادئ ولا أخلاق أو خطوط حمراء ، تلتهم كل شيء يثير رغبتها ، امرأة أنانية حد الهوس والجنون ، ففي الصفحة 77- 78 جاء على لسان أحد الشخوص (جمال) قوله :" … في تلك الليلة الشتوية تسللت إلى فراشي … قالت لي : إنها تخاف من قصف الرعد وتحتاج إلى رجل كي تحس بالأمان … وصارت تتسلل (…) في كل الليالي التي يغيب فيها أبي عن البيت (…) ثم تعود إلى غرفة نومها … بعد أقل من ساعة (…) كانت تصر على أن أعتليها وهي منبطحة على بطنها …" .

* مميزات الكتابة القصصية عند هشام بن الشاوي:

يمكن تلخيص مميزات الكتابة القصصية عند المبدع هشام بن الشاوي في بعض المحاور أعتبرها رئيسية ، فهي :
1- تتمرد على كل بناء تقليدي "مناسباتي" لتومض بسرعة وروعة.
2- بعض النصوص ذات تركيبة خاصة ولها تشكيل أقرب ما يكون إلى القصيدة الشعرية كما هو الحال في النصوص التالية :
* خربشات على جدار البوح ". ص31
* وشاية بأصدقائي .ص 49

3- حضور شذرات من الزجل في " نصوص ليست للنشر" (نص ذائقة ) ص 29
4- تواجد نصوص مرافقة في :
* خطأ تمارسنا هذه الحياة ص 5
* je suis malade ص 61

5- إهداء في "بيت لا تفتح نوافذه…" ص37
6- أغلب النصوص مذيلة بتواريخ كتابتها باستثناء :
- خربشات على جدار البوح ص 31
- الضحايا ص 75
* تعدد الضمائر …
7- أغلب شخوص المجموعة من الهامش .. كما تمتاز بالدقة والعفوية وسلاسة الأسلوب بحيث أن أغلب النصوص كتبت بأنفاس متعددة وشخوص ذات أمزجة متقلبة … تدهشك بجرأتها في التعبير عن الكثير من المواقف الخاصة بالحياة .. وهي نصوص لا تخلو من جمالية لغوية وتحمل رسائل متعددة من هوامش متذمر أصحابها …
- أغلب النصوص ذات نكهة ساخرة من  كل الأمراض المتفشية في المجتمع ، فاضحة كل أساليب الاستغلال الجنسي للنساء بالمعامل والحي والشارع وحتى داخل الأماكن الأكثر انغلاقا … وفي نفس الوقت الحرمان من كل شيء لنساء مقنعات بأقنعة شفافة ، كما تفضح بجرأة نادرة وشجاعة المواقف الجبانة من الخداع والمكر والتحايل … كما هو الأمر في "نصوص ليست للنشر" ص 28 :" تصفعني قائلة …. أنا أحبك … قبل أن ترتمي في حضن صديقي " .
" ترمي بالجهاز لاعنة كل الرجال .. تذكرت أني كنت مكان ذلك السطل أكثر من مرة  حين تتأخر في الرد على مكالمتي " ص 36 خربشات على جدار البوح
نها سخرية ممزوجة بهذيان ، وهو هذيان مشروع رافض لواقع مرير وصل إلى حد رفض التساؤل عن الحزن المتقوقع بداخله ، بل وصل الأمر إلى حد محاكمة النفس و تأنيبها ووضعها في ميزان العقل ليخلص الأمر أنه مجرد ضحية من ضحايا مؤازراته . وهنا أفتح قوسا صغيرا لأقول أن المبدع ربما يفتعل كل شيء على الورق يخط مؤامراته حالات شخوصه يتوارى وراءها في كثير من الأحيان يعبر من خلالها عن الكثير من المواقف ، لكنه يظل في النهاية مبدعا يمزج في كتاباته الواقع بالخيال / الحقيقة بالهلوسات والسخرية ، يمتح من كل شيء رغبة في النصح أو السخط .. للتعبير عن مواقفه من الحياة .
نصوص المجموعة تفوح منها حرقة كبيرة والتهابا خطيرا ..
8- شذرات من الكتابة المسرحية . نص "أوراق مهربة" نموذجا
وأنت تقرأ مقدمة النص ص 15 تجده مؤثثا بشكل لا يخلو من شعرية وجمالية وحبكة مسرحية دقيقة ..
" ينطلق صوت أنثوي دافئ محفوف بموسيقى ناعمة ، أيها الحضور ! رجاء لا تنزعجوا ولا تهتموا بمتابعة هذا الفصل المسرحي اليتيم " ، فصوت الراوي علا ولا صوت آخر يعلو عليه فاتحا الباب على مصراعيه لتقديم فصل من فصول حكاية غير مكتملة ، بتشويق فريد . وهذا التداخل على مستوى الأساليب والتنوع في الأنماط التعبيرية يبرز مدى قدرته (الكاتب) على تصوير الوقائع وتجنيس مختلف الأنماط السردية وجعلها يسيرة ومفهومة خدمة لقارئ مفترض .
9- لغة أنيقة وانفعالات قوية وعميقة الدلالات .
بعين راصدة لكل شيء يتحرك ، يقتنص المبدع اللحظات بعنف ـ وبمشاعر فياضة وانفعال قوي يفضح المستور..
- بيت لا تفتح نوافذه ص 42
- أسعدت حونا أيها القلب ص 9
وهي نصوص مؤثثة بحنق كبير على مشاهد الحياة اليومية " أصفق الباب خلفي في عنف ، ولأول مرة لا أرفع عيني إلى نوافذ لا تفتح " ص42
"أدس بركاني الخامد تحت ثيابي مثل مهرب وجيش أنوثة فوارة تسيح على الإسفلت "ص 9
لم أكن أكره جارتنا لذاتها لكني أمقت أن تنتقل من فراش إلى آخر (ص 7)
" أحتقر ذلك الحيوان القابع بداخلي الذي يحاول مرارا التمرد على سلطة الأنا الأعلى " ص8
" تمددت على سريري لأنام وقد انشطر قلبي إلى قطعتين تبكيان امرأتين " ص 8 .

إنها أحاسيس وانفعالات قوية ممزوجة بحيرة وارتباك ، لكنها صادقة وجريئة تجاوزت البوح الخافت والنجوى الخفية إلى صراخ مرير وسخط عارم .
في نصوص ليست للنشر ص 27 يقول على لسان أحد شخوصه : " لا أريد أن أكون أخا لكل نساء العالم .. تكفيني امرأة واحدة لترمم خرائبي الجوانية " ، كل هذا الهذيان الحارق والمحموم يعطينا صورة عن نصوص متميزة يبرز من خلالها مفاتن كتابة متفردة ملتصقة بقضايا الإنسان النفسية والخاصة والحميمية جدا . كما نصادف شذرات لهذا التفرد في أكثر من فقرة ونص ولعل أقواها تعبيرا في نظري نص "بكاء على الأطلال " ص 62 حيث يقول : "من ينتشلني من ضريح الذكريات ؟ كيف السبيل إلى خلاص الروح ؟ متى تحين لحظة التنوير ؟ من يكتب نهاية سعيدة لقصة حياتي ؟!" .
إنها لواعج يهتز لها كيان القارئ المتبصر وترغمه على البحث والنبش والاستقصاء في باقي نصوص المجموعة ، سواء بين الفراغات أو في الهوامش وعلامات الترقيم اللعينة ..
استطاعت اللغة الأنيقة والمتميزة تصوير حرقة كل المهمشين من دون استثناء ، وهو يرسم تعاسة بطله يقول هشام بن الشاوي في فقرة من النص المعنون ب "فيلسوف صغير ولكن " ص 69 بضمير المتكلم … " باندفاع جنوني انغمست في بؤرة التعساء والفاشلين (…) وكل ليلة نشرب حتى الثمالة … أيمكن أن يكون سكيرا صالحا ؟ " .
إنه وضع له رواسبه وأسبابه ودوافعه ..ففي عالم التعساء لا يحس المرء بالقوة إلا إذا كان في حالة غير عادية ، فرارا من الدونية والتهميش المسلط عليه بالقوة نحو عالم الهذيان الجميل ، فالبطل " أفرغ في جوفه الكأس الثانية وقال بصوت جهوري :" الآن فقط أحس أني أقوى من الزمان والمكان… ما أروع الهذيان … إن الحقيقة لا تخرج إلا من أفواه الأطفال والحمقى … والسكارى " ص 70
عموما لا يخلو نص من صورة امرأة مهمشة أو بطل مهمش وحزين والمرأة خاصة تشكل حجر الزاوية في كل بناء قصصي داخل هذه المجموعة .
فهي – النصوص – تحملك إلى عوالم تعج بالمتناقضات الايجابية منها والسلبية ، الخفية والظاهرة في أسلوب سردي شيق ومغر وبلغة سلسة وشفافة وعفوية دون أي تكلف . من مميزاتها سرعة الاختراق الوامض بحيث تجعلك تتابع بانسياب دون ملل الأحداث كأنك جالس على كرسي في مقهى / في شرفة منزل / طابور طويل / داخل حافلة / سطح بيت ، وهي أماكن وفضاءات شكلت أغلب المشاهد وجعلتها مركبة بشكل سينمائي … داخل إطارات التقاط متعددة / من الأعلى نحو الأسفل / من الجانب الأيمن إلى الأيسر / داخل إطار كبير أو صغير .
وفي ختام هذه القراءة أفضل أن أترك النافذة الأخيرة مفتوحة على احتمالات أخرى في انتظار امرأة قد تشرئب بعنقها مطلة ذات يوم على نغمات هذا المقطع الجميل ص 29 للفنان الشعبي المغربي الداودي :
" ايلا ما بغاتني
دارت غيري ونساتني
راني مازال صابر على هبالها
الناس يقولو مالها
ديما في البال وتبقى في البال "
(نصوص ليست للنشر)

ركاطة حميد ، خنيفرة 05 يناير 2008

 

 

 

 للاطلاع على المجموعة القصصية إلكترونيا الرجاء الضغط أدناه …

مع فائق الود

 

1202601462.pdf

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر