مدام مادلين

كتبهاهشام بن الشاوي ، في 15 فبراير 2008 الساعة: 21:58 م

مدام مادلين

بقلم : نصرت مردان

رن جرس الهاتف عدة مرات قبل أن يرفع السماعة . فوجيء بأن الاتصال  من قناة TSR  التلفزيونية في جنيف.كان مخاطبه مدير القسم الثقافي للقناة ،والذي أبلغه عن امتنانه لو تكرم في المشاركة في برنامج سيستضيف ثلاثة من الكتاب العرب من المقيمين في جنيف حول ( مشكلات الكتاب العرب ) ، ولم ينس أن يبلغه أنه بعض الكتاب اقترحوا اسمه .
شكر محدثه ،بعد أن سجل في دفتر ملاحظاته تاريخ وموعد البرنامج .
أحس بالحبور فبعد سنين من التناسي والتهميش في وطنه ،هاهي قناة تلفزيونية تتصل به بكل بساطة لمشاركته في البرنامج الثقافي دون محسوبية أو منسوبية أو وساطات. شكر في قرارة نفسه من طرح اسمه للمسؤولين في التلفزيون.
نام في تلك الليلة قرير العين ، راضيا عن يومه الذي اعتاد أن يقضيها دائما في حنين لا يهدأ إلى الوطن ، والتجول في دهاليز الذكريات وأقبية الأيام الخوالي.
عندما حل اليوم الموعود كان ضمن الكتاب الثلاثة ،والذي ينتمي كل منهم إلى بلد عربي معين. تحدث زميلاه عن سلبية المهجر على إبداعهم،وإحساسهم أحيانا بالانزلاق إلى منزلقات اليأس .
عندما حان دوره كان السؤال الموجه إليه عن اشكاليته ككاتب في المهجر من الوصول إلى القراء . تدفقت الكلمات المختزنة بمرارة في ذاكرته وأعماق نفسه لتعبر عن ذاتها:
ـ عانيت شخصيا من عدم نجاحي في الحصول على ناشر لأعمالي .فمعظم دور النشر في الدول العربية على عكس الدول الأوربية باتت هي التي تطلب من الكاتب ان يدفع لها لطبع أعماله،ومنها دور نشر في الأردن والبحرين ومصر وغيرها من الدول .
وأضاف بأسى :
ـ أصحاب هذه الدور يتصوروننا بسبب وجودنا في سويسرا أو أي دولة أخرى من أصحاب الملايين. بينما أنا مجرد لاجيء هنا ،أعيش على المساعدة الممنوحة للعاطلين عن العمل. وحتى لو كان الأمر غير ذلك فأنا أرفض مبدأ (ادفع ،نطبع).
في نهاية اللقاء سأل مقدم البرنامج ،المشاركين عن كلمتهم الأخيرة في نهاية الحلقة . عندما حان دوره قال مازحا :
ـ  أتمنى ان يسعفني الحظ ويظهر ملاك على هيئة امرأة لتتبنى طبع أعمالي،كما جرت العادة في الغرب في تنبني بعض الأثرياء لكتاب وموسيقيين ورسامين . في هذه اللحظة أحس ،ان ملاكي الرحيم الذي انتظره الآن يسمعني في بيت ما في جنيف!
 مرت أيام. قضمت الدقائق الثواني ،والساعات الدقائق،والساعات الأيام، إلى أن حل ذلك اليوم ،الذي بدا برنين الهاتف أيضا .
ـ نعم .. بونجور !
ـ مسيو ..ألست الكاتب عادل رفيق ، الذي ظهر الاثنين الفائت على قناة TSR؟
ـ نعم مدام . . من حضرتك ؟
كان في الطرف الآخر صوت نسائي ، يعكس نضج صاحبته ، ويكشف أيضا ، انها على أبواب الكهولة .
ـ أنا ملاكك المنتظر !
لم يفقه شيئا .أي ملاك؟
فطنت هي إلى ذلك ، وأحست بالحاجة للدخول لتفاصيل أكثر :
ـ لقد شاهدت البرنامج الذي تمنيت فيه، أن يشاهدك ملاك يتبنى طبع أعمالك . أود أن أكون ذلك الملاك يا سيدي !
اعترته نوبة من الذهول .ماذا به هل يحلم ؟ أم ان الأمنية ـ الحلم الذي أطلقها على سبيل الدعابة في طريقها إلى أن تكون حقيقة ؟
ـ هل من الممكن أن اعرف اسمك يا سيدتي ؟
ـ  أنا فاليري دومان . سأكون سعيدة لو التقينا في أي مكان تراه مناسبا ،كي نتحدث في تفاصيل الموضوع .
ـ يسعدني يا سيدتي ان أستقبلك غدا في بيتي المتواضع ، الساعة الرابعة مساءا لو كان ذلك يناسبك .
أخذت منه العنوان وأغلقت الهاتف بعد أن تمنت له يوما سعيدا.
هل يحلم ؟ان تتبناه امرأة ثرية في بلاد الغربة، لهو في رأيه حلم الأحلام !
تذكر، تشايكوفسكي والأرملة الثرية (نايجدا فون ميك)، التي تبادلت معه 1204 رسالة خلال أربعة عشر عاما ، لم يلتقيا خلاله إلا مرة واحدة في لقاء عابر.هل هو مقبل على علاقة من هذا النوع ؟ ضحك في سره من انطلاقه وراء الخيالات.فما يبحث عنه مجرد ملاك يمول طبع كتبه .في تلك الليلة أطبق أجفانه وحالة فريدة من الرضا لم يعتد عليها، تمتلك حواسه ومشاعره.
في اليوم المحدد بالدقيقة والثانية ،سمع رنة جرس الباب. كان يعلم إنها هي .فالسويسريون لا يحترمون شيئا كاحترامهم لمواعيدهم .
وجدها أمامه امرأة أنيقة ، تقترب من الكهولة .أكثر ما يميزها شعرها الأبيض ، المنتظم القصير ،التي تلامس خصلاته كتفيها.
جلست تنظر إليه بإعجاب ، لم يرها في عيني أي امرأة طوال حياته .أشعلت سيكارتها ،ووضعت ساقا على ساق. قالت :
ـ مسيو .. في البرنامج قلت " في هذه اللحظة أحس ان ملاكي الرحيم الذي انتظره الآن يسمعني في بيت ما في جنيف! ".لقد أصبت بقولك فقد كنت أشاهدك في تلك اللحظة، ورأيت من واجبي أن أكون الملاك الذي تبحث عنه .
قال لها ، انه عاجز عن شكرها ، وانه يعيش أجمل لحظات حياته ،وهو لا يصدق ان أمنيته قد تحققت بمثل هذه السرعة والسهولة .
قالت له بهدوء وثقة :
ـ يا عزيزي الحياة مليئة بالصدف السعيدة.أريد منك أن تطمئن الآن بأن كل ما تكتبه سوف لن يبق حبيس أقراص الكمبيوتر والملفات .سوف لن تكون النقود عائقا أمام وصول كتبك ومؤلفاتك إلى الناس. كم عملا لديك ينتظر النشر؟
ردد كالببغاء:
ـ روايتان ومجموعة قصصية ومسرحية .
أخرجت بهدوء هاتفها النقال من حقيبتها ، وبدأت بالحديث :
ـ مصرف كونتنال دو جنيف ؟ مدام كريستين أنا مدام فاليري دومان . أرجو إيداع خمسين ألف فرنك من ودائعي عندكم إلى حساب السيد عادل .. حسنا انه موجود هنا ، لحظة من فضلك .
أعطته الهاتف .بدا غير مصدق بأن المعجزات من الممكن ان تتحقق بهذه السرعة.هل بقي في هذا العالم سخاء على هذه الشاكلة ؟ خمسون ألف فرنك يودع في اسمه من سيدة جليلة لا تعرف عنه إلا ما رأته وسمعته في التلفزيون ؟
سمع على الجانب الآخر صوتا نسائيا يقول :
ـ نعم مسيو ، أرجو إعطائي اسمك الكامل والعنوان ،لفتح حساب باسمك في مصرفنا وإيداع المبلغ الذي أمرت به مدام فاليري دومان .
ذكر اسمه وعنوانه ،وأغلق الخط .
كانت تنظر إليه بحنو ،بعينين تتقطران طيبة وإنسانية .كانت بشعرها الأبيض المنتظم تبدو فعلا كملاك.
ـ مسيو .يجب أن أغادر الآن فلدي مواعيد أخرى علي الإيفاء بها.أنا أدير مركزا صحيا خاصا. هذه بطاقتي وفيها عنواني .أرجو الاتصال بي دون تردد عند حصول أية مشكلة.
صافحها بحرارة وامتنان . التفتت إليه قبل أن تخرج :
ـ لا تقلق بعد الآن ،سأكون فعلا ملاكك الذي تبحث عنه .
عاش اسبوعا من الفرح والبهجة . كانت خلاله روحه ،التي عقدت زواجا كاثوليكيا منذ دهور مع الأحزان والكآبات ، تبدو منطلقة ،مرحة مثل عصفور صغير يتعلم الطيران لأول مرة .
وقف هنيهة أمام باب المصرف ثم دلف إلى الداخل .انتصب أمام الموظف بثقة قائلا:
ـ سيدي أريد ان أتأكد فيما إذا كان ثمة مبلغ أودع باسمي في مصرفكم ؟
ـ هل لديك حساب في مصرفنا ؟
ـ نعم باسم عادل رفيق  ؟
عاد الرجل يضغط على أزرار الحاسبة بأصابع متمرسة ،ثم عاد يسأله بعد أن نظر على شاشة الحاسوب :
ـ من أودع المبلغ باسمك رجاءا ؟ هل من الممكن ان تتهجأ الاسم حرفا حرفا فلربما هنالك خطأ ما .
أعطاه بطاقتها التي فيها اسمها وعنوانها . عادت أصابع الموظف بالضغط على الأزرار ،ثم رفع إليه وجهه قائلا :
ـ آسف يا سيدي ،ليست لدينا عميلة بهذا الاسم ، أو حسابا باسمك ؟
ـ لكن موظفة من مصرفكم هذا ،أخذت مني بيانات لفتح حساب باسمي بناء على طلب مدام فاليري دومان !
ـ لقد تأكدت كما رأيت عدة مرات ، ليس بين زبائننا من يحمل اسم مدام فاليري، وليس في سجلاتنا أي مبلغ مودع باسمك .
خرج من المصرف منكسرا ،وهو يحس ان الخيبات والانكسارات التي تعود عليها وتعودت عليه ، عادت بقوة لتحاصر كل خلية في كيانه،وأن العصفور الذي انطلق من روحه الكئيبة ،سقط في أول محاولة له للطيران قبل أن يصل إلى أقرب غصن .
أخرج بطاقتها من جيبه وصمم ان يذهب إلى العنوان المثبت فيها . كان لا يريد ان يصدق أن ما سمعه وعاشه في المصرف قبل لحظات . هل من المعقول ان أن يتهدم الحلم الذي عاش في افيائه أياما ويتحول بمثل هذه السرعة إلى مجرد سراب ؟ ثم لماذا تخدعه مدام فاليري،وهي التي بادرته بالحديث عبر الهاتف وحضرت إلى بيته بأسرع مما كان يتصور؟!
نزل من سيارة الأجرة أمام العنوان المثبت في البطاقة ،ما يراه الآن واقع لا يقبل الشك.مبنى يتوسط حديقة واسعة .سبقته إليه سيارة وقفت أمام المبنى .
عاوده الأمل حينما رآها تهبط بشعرها ذي القصة المتميزة . تقدم مسرعا نحوها، بدا لحظتها وكأنه يهرع خلفها وهو يهتف :
ـ مدام فاليري ! .. مدام فاليري !
التفتت إليه المرأة التي ترجلت من السيارة.
 تجمد مذهولا في مكانه. لا شيء فيها يشبه ملاكه غير الشعر الأبيض القصير.
وقفت المرأة تنظر إليه باستفهام :
ـ نعم يا سيدي .
ـ عفوا سيدتي ،إنني أبحث عن مدام فاليري دومان .
ـ أنا مدام فاليري دومان.
مستحيل .إنها لاتمت بصلة إلى ملاكه إلا بشعرها.
ـ لكنك لست السيدة فاليري التي أبحث عنها .
ـ ليس في هذا المركز من يحمل هذا الاسم غيري ..رجاءا دعني أرى البطاقة التي تحملها..أوه سيدي هذه بطاقتي  ! .
ـ لكنك لست السيدة التي أبحث عنها ..لا تتشابهين معها إلا في شكل الشعر .
توقفت المرأة برهة ثم سألته :
ـ هل تعرف من يعيش في هذا المبنى ؟
أجابها بالنفي .
قالت له بهدوء:
ـ هذه مصحة صغيرة لمن يعانون من مرض انفصام الشخصية،وأنا مديرتها . نحاول تطبيع تصرفات الذين الحالات التي تنتابهم بين فترة وأخرى،وهي حالات ليست ميؤوسة منها..حيث تعقد جلسات جماعية مع المرضى ثلاث مرات في الأسبوع  بحضور طبيب مشرف. . تفضل معي رجاءا .
صعد معها سلالم المبنى ، ثم دلفا معا إلى ردهة فيها عدة نساء ..هناك وجد ملاكه .عجوزة ، تكاد تكون صلعاء بسبب قلة شعرها،تسمع مع الأخريات حديث إحدى المريضات بحضور طبيب منبسط الأسارير . همست مدام فاليري في أذنه ،بعد ان رأت أنه ينظر إليها:
ـ إنها تدعى مدام مادلين مارتان .
تهاوت أماله ، تحطمت أحلامه وتهشمت مثل إناء زجاجي . لكنه لم يشعر بالحقد والغضب عليها ،بل وقف يتأملها بشفقة ،ثم أخذ ينزل بهدوء درجات السلم ليعود أدراجه. فجأة سمع صوتها يناديه :
ـ مسيو ..مسيو !
كانت مع زميلة لها .اقتربت منه ، ونظرت إلى عينيه ،كانت فيهما نفس النظرات عندما زارته  في منزله .كانت رفيقتها تردد دون انقطاع :
ـ سنفتح حسابا باسمك يا سيدي ..الاسم رجاء ؟ العنوان لطفا ؟
وقفت أمامه ،كانت تحمل في يدها اليمنى محفظة نقود صغيرة ، وفي اليد الأخرى باروكة شعر قصيرة ،كانت تبدو تماما مثل شعر مدام فاليري مديرة المصح. أخرجت من محفظة نقودها قائلة :
ـ أرجو يا سيدي أن تقبل مني كل ما أملك ،لعله يفيدك .
وضعت في كفه عشرة فرنكات. شكرها وهو يضع الورقة النقدية في محفظته .تقدم منها وقبلها من وجنتيها هامسا :
ـ وداعا مدام فاليري !
غادر المبنى ،بينما مشاعر متناقضة تتلاطمه،مشاعر مفعمة بالأسى والحزن والشفقة.
وقف أمام  بائعة للزهور .أختار باقة ورد ،لفته البائعة بعناية في ورق شفاف أنيق .
ـ 15 فرنك رجاء يا سيدي .
دفع لها المبلغ ثم قال وهو يضغط على مخارج الحروف :
ـ رجاءا ابعثي الباقة إلى  المركز الصحي المواجه للمحل .
ـ إلى من تهديها  يا سيدي هناك ؟
ـ مدام مادلين مارتان رجاءا !
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج