مدونة القاص المغربي هشام بن الشاوي

الخميس,أيار 01, 2008


صباح الخير أيها الفلفل

حسن النواب


بعد ان حصلت علي شهادتي الجامعية وجدت نفسي بعد شهرين بالضبط اقف عند كل فجر في ساحة العرضات خدمة للوطن، وبعدها بأسابيع تعلمت سياقة الدبابة علي عجل وقذف بي الي السواتر المتقدمة من الحرب، وطيلة اكثر من عشر سنوات كنت اتجرع بأنفاس متقطعة ذلك النهوض الصباحي كل يوم، مرة للعرضات ومرة للانذار الكيماوي واخري لممارسة فعالية تعبوية او لصد هجوم مباغت، حينها كنت احلم بشهر واحد يمر علي حياتي دون ان استيقظ فجرا، وحين تكسرت اسنان الحرب علي ضلوعنا وهمد اوار نيرانها، تصورت ان حياة الراحة قد جاءت لي ناشرة ذراعيها، غير اني اصطدمت بمطاردة لقمة العيش ووجدت نفسي مرة اخري استيقظ مع آذان الفجر لأدفع عربة خشبية الي ساحة الطيران كي ابيع بها البيض المقلي بالدهن حتي اجد ما يسد رمقي.. ورمق اهلي الذين يتضورون جوعاً ايضا بسبب الحصار، وصرت حقا احلم بذلك اليوم الذي اجد روحي وجثتي وعقلي هامدة دون ازعاج ورعب حتي شمس الظهيرة، وتحقق لي ذلك عندما غادرت البلاد علي فترات متقطعة حين استقر بي الحال في الأردن، لكن الراحة بمعني الهدوء والسكينة لم اجدها الا في منفاي الاسترالي، علي مدي سنتين وربما اكثر شبعت خلالها نوماً عميقاً الذي فارقني في البلاد، وكلما استيقظت من نومي كنت اردد هل من مزيد من الساعات اغفو بها علي سريري بعيدا عن الهلع والرعب والجوع والخوف الذي كان يحاصرنا هناك، وعلي حين غرة تغير مزاجي ذلك وصرت ابحث عن استيقاظ مبكر يدرأ عني الكسل والخمول والبطر الذي صاحب حياتي التي تدللت كثيرا في منفاها، وانتفضت من مجاهيل روحي بحثا عن اي عمل يزيل عني هذا الفتور المرير والطويل الذي مرت به حياتي، وعثرت علي عمل في احدي المزارع وشكمت ماتبقي من عزم عندي الي ذلك، استيقظت فجرا لاقود سيارتي هذه المرة وليست دبابتي الي ارض المزرعة وليس الي ارض معركة، كانت الشمس حارقة خارقة مثل رصاص الحرب فوق رأسي، وهمست لا تأبه لذلك استمر بالمقاومة.. فهذا العمل اهون بكثير من حفر بالوعات لفضلات الضباط مع اول خيط للفجر عندما تذهب كجندي شغل لاحول له ولاقوة في العسكرية.. وانحنيت علي ثمار الفلفل لقطافها.. وانحنيت اكثر علي قطع رؤوس الخس بسكين حادة تشبه حربة البندقية حين ينفد العتاد ويكون القتال بالسلاح الابيض، وبرغم ان العمل الذي ازاوله هو من اختصاص دراستي الجامعية في زراعة البستنة، لم اتحمس واخبر صاحب المزرعة ان شهادتي الجامعية تؤهلني ان اكون مهندسا زراعيا الآن، بل انغمرت بالعمل مثل اي كائن آخر.. ساعات طويلة نقطع بها رؤوس الخس والقرنابيط وساعات اطول منها تحت شمس استراليا الواطئة جدا نقطف بها الفلفل الحار والبارد وبألوان لاتخطر علي بال، فهل تصدقون ان هناك الفلفل الازرق والارجواني وان هناك الخس بسبعة انواع.. شعرت باللذه لهذا العمل الذي يتنهي عادة مع غروب الشمس، ماعدت اجد فسحة من الوقت لفتح النت ورؤية ماكتب الاصدقاء من خواطر وشعر وسوانح سياسية مليئة بالشتائم !! بل ماعدت اذكر اني كنت اكتب الشعر ذات يوم وماعدت ايضا اشرب عصير الوجع مثل كل يوم، واستمر هذا الحال لمدة اسبوعين بكد وكدح انا شخصيا استغربت له، حتي عدت ذات يوم الي البيت وقد اصطبغ وجهي بلفحات الشمس القاسية وحين هرعت طفلتي الصغيرة لاستقبالي صعقت في مكانها ورددت وهي مندهشة.. هل انت ابي؟؟ فشهقت ضاحكا.. صباح الخير ايها الفلفل.. ومن يومها عدت الي مهنة الكتابة حيث البطر الذي لاخلاص منه.. والمهنة التي لا اجني من ورائها سوي الحرمان.. وصباح الخير ايها الفلفل، فلربما اعود لك يوم غد.

جريدة (الزمان) الدولية - العدد 2930 - التاريخ 1/3/2008



لا يوجد تعليق